من رمز للوجاهة إلى « أيقونة » للقهر الاجتماعي: حكاية التونسي مع اللحوم بين ثقافة « الزهومة » وقسوة « الميزانية والمناخ »

كسكسي بالعلوش رمز اجتماعي وثافقي

 

ناجح الزغــدودي صحفي وباحث في علم الاجتماع

 

تتصل اللحوم في المخيال الشعبي للمجتمع التونسي وتمثلات افراده، برمزية الرفاه الاجتماعي والتمايز من خلال المقدرة الشرائية والقدرة على تحقيق الحاجيات والرغبات والصحة البدنية والنفسية. كما يتصل استهلاك اللحوم بعادات غذائية موروثة وأصناف من المأكولات (كسكسي بالمسلان أو مشوي…) وطقوس جماعية تحيي القيمة الرمزية للحوم خصوصا في مناسبات الأعياد (عيد الأضحى كطقس مقدس) وولائم الاعراس والختان كطقوس عبور التي تنصب فيها موائد الطعام وتفوح منها رائحة اللحم ويتجمع حولها الصغار والكبار في موكب اشتهاء.

وسط تلك الأجواء الاحتفالية الرمزية، يعطي التونسي للحم خصوصا لحم الخروف صفة وقيمة ثقافية خاصة أكثر من لحوم الطيور والاسماك خصوصا في ارياف القيروان (المعروفة تاريخيا ببر جلاص). فلحم الخروف يمثل حالة من الاشباع والسعادة من خلال جملة من المفاهيم والممارسات مثل مفهوم « الزهومة » كتعبير عن الدسم ومذاق الشحوم (لغويا: زهمت يده دسِمَت واعترتها زُهُومةٌ من الدّسم والشحم فهو زَهِم، حسب معجم المعاني).

واللحم لدى التونسي، هو سلطان المائدة سواء في المناسبات والاعياد او الحفلات والولائم والمآتم. وأيضا له حضور رمزي في المناسبات الدينية مثل ليلة النصف من خلال اكلة الكسكسي بالعلوش في هذه المناسبة (موسم) من رمضان وليلة 27 من شهر رمضان (عشاء الموتى). وأيضا في مناسبات الاعراس، سواء عند اطعام الضيوف او كهدية للعروس. وأيضا هو عنوان الشكر والتقرب الى الله في عيد الأضحى وأيضا عندما يرزق بطفل (عقيقة).

ويتمسك التونسي بالحفاظ على هذا الدسم ولو كان قليلا فيستعمل مثلا شعبيا « مرقته ولا فرقته » للتعبير عن الحاجة الى الاتصال المستمر مع الدسم ا أو الزهومة. بل ويتم السخرية ممن يعلن أنه لا يأكل اللحم سواء لأنه نباتي او يخير لحوم الدجاج او السمك عن لحم الضأن.

هرمون السعادة ورمز الرفاه

يوصف اللحم، في الموروث الشعبي، كونه « هرمون السعادة » ومصدرا للطاقة والقدرة ومحفزا بدنيا للعمل وأيضا وقودا للعلاقات الحميمية والانجاب، رغم ان أطباء يدعون الى عدم الاكثار من استهلاك اللحوم واعتبار الافراط في تناول اللحوم قد يؤدي الى بعض الأمراض لبعض الأشخاص. وهي نصائح قلما تجدى آذانا صاغية أمام اغراءات رائحة الشواء ومذاق الكسكسي الدسم بلحم الخروف.

ويصبح أكل اللحم، طعاما فاخرا، تباهي به الاسر الموسرة ويتمايز به الافراد طبقيا بشكل قد لا يرى ولكنه يفضح في الحوارات اليومية سواء في السوق او عند الجزار من خلال كمية اللحوم المقتناة واصناف اللحوم وحالة اعلان المقدرة والبذخ على شراء شطر علوش أو الاكتفاء بكمية قليلة.

كسكسي تونسي بالعلوش

وهو محور النذور وطقوس الزردة والوعدة التي يتجمع حولها الفقراء متلهفين في الزوايا يتلقفون صدقات الأطعمة بصفتهم أحباب الله ويشبعون أصحاب الذبائح دعاء بالخير والبركة وتحقق الامنيات.

ولا يُقاس شبع الضيف بامتلاء بطنه، بل بعدد قطع اللحم التي تُزيّن قمة جبل الكسكسي؛ فاللحم هو « رأس المال » الرمزي لكل مائدة تحترم نفسها. وبالتالي فان علاقة التونسي باللحم الأحمر تشبه قصص الحب القديمة، فيها الكثير من اللهفة، والارتباط بالمناسبات الاحتفالية الكبرى.

ولئن يعتبر ذبح الاضاحي في العيد، طقسا دينيا يشترك فيه جميع التونسيين تقريبا ومناسبة ياكل فيها الجميع اللحوم،  ويشعرون فيه بالمشاركة والانتماء، الا انه مناسبة لا تخلو من حالة التفاخر والتمايز. فيعلن احدهم بكل تباهي انه يذبح خروفين احدهم للمشوي والأخر للطبخ. كما يكون مناسبة لاظهار القدرة على المساعدة والتصدق على الفقراء وهو فعل خير لا يخلو من اظهار المقدرة والانتماء الطبقي.

حفلات الاعراس تصنف فيها الاسر شعبيا، بحجم كرم الضيافة المتجسدة أساسا في عدد الخرفان التي يتم ذبحها للضيوف. وقد اصبح حدث ذبح احدى الشخصيات النقابية ل200 خروف محل جدل ونقاش اعلامي وعنون في بعض المواقع ب »عرس بورجوازي باذخ لابن النقابي نصير الأجراء.. يثير انتقادات لاذعة ». ولئن لفت النقابي الانتباه لكونه شخصية عامة بهذا العدد من الذبائح وعدد المدعويين، الا نه ليس الوحيد ولا الأكثر. بل راجت عديد الروايات عن حجم كبير من الذبائح سواء الخرفان او البقر (عاصي).

ويعتبر ذبح الخرفان تعبيرا عن حسن الضيافة وتقدير الضيف وأيضا بابا للتملق وشكلا من اشكال الرشوة خصوصا في المناطق الريفية. (ذبح 14 خروفا لاستقبال شخصية سياسية في القيروان من قبل رجل اعمال). وغير ذلك من الطقوس والتعبيرات التي تشير الى أهمية اللحم ورمزيته في الحياة اليومية للأفراد والمجتمع التونسي بشكل عام.

غير ان هذه المنظومة الرمزية تشهد حالة عدم استقرار سواء لدى الافراد أو الجماعات أمام جملة من المتغيرات الاجتماعية والاقتصادية وأيضا المناخية فضلا عن عنصري الزمان والمكان وتحول أنشطة الرعي والصيد ونمط العيش التقليدي نحو استهلاك معولم.  وتؤثر هذه العوامل في منظومة العادات الغذائية وتفعيل الطقوس الاجتماعية وتحقيق الرغبات الذاتية وتوتر العلاقة الرومنسية بين المواطن التونسي واللحوم.

من بين هذه العوامل والأسباب التي فصلت التونسي عن عادات استهلاك اللحوم وأحدثت تغييرات جوهرية في عاداته وتمثلاته وأيضا في صحته ومزاجه، هي ارتفاع الأسعار بشكل مضاعف منذ 2010 الى اليوم وجعلت القدرة الشرائية لفئة كبيرة من المجتمع التونسي تنهار أمام بورصة اللحوم ويصبح ملايين المواطنين في حيرة لتوفير الحاجيات الغذائية الضرورية والحاجة الى تحقيق ذاته والشعور بالرضا. مما أدى الى تراجع معدل استهلاك التونسي للحوم بشكل كبير.

اللحوم الحمراء وتبييض السياسة

هذه التحولات الاستهلاكية تأتي في سياق تحولات سياسية واقتصادية ومناخية لتتحول « اللحوم الحمراء » من طاولة المواطن، الى مادة دسمة على طاولة الجدل السياسي والاقتصادي ولا تخلو من التوظيف السياسوي والشعبوي سواء من المؤسسات الحكومية (وزارة التجارة) او المجتمع المدني وتفتح النقاش في الفضاءات العامة سواء الأسواق او المنصات الإعلامية وأهمها منصت التواصل الاجتماعي.

يتذكر عديد التونسيون، مشهدية البروباقندا الانتخابية للمرحوم الباجي قائد السبسي وهو يذرف الدموع على امرأة عجوز اخبرته خلال جولته بسوق باب سويقة أنها لم تأكل اللحوم منذ شهور.

تلك المشهدية ولئن اعتبرت دعاية سياسية في سياق الانتخابات، فانها استخدمت كقيمة رمزية معيارية تتصل بحياة المواطن ورفاهه لتصبح اكثر أهمية من توفر الخبز بصفته في متناول الجميع، بين أصبحت اللحوم بعيدا عن متناول غالبية المواطنين ولفترة طويلة. وبدل ان يقسم المواطن اللحم الى شرائح، أصبحت اللحوم هي التي تصنف الافراد والاسر الى شرائح حسب قدرته على الوصول اليه وحسب الكميات التي تقدر على شرائها بما أتيح لها من مداخيل (أجور او منح او مساعدات).

تضاعف الأسعار: من 16 د الى 60 د

كانت تلك المشهدية سنة 2016. حينها كان سعر كلغ من اللحوم يتراوح بين (14 دينار سعر البقر و16 دينار سعر الضأن او العلوش. وفي ذلك الوقت شهد ارتفاعا طفيفا بحوالي 2 دينار مقارنة بأشعار سنة 2010 (موقع الكتيبة).

يقدر خبراء اقتصاديون ان سعر اللحوم الحمراء شهد 5 قفزات نارية في الأسعار. انتقل فيها سعر كلغ اللحوم من 14 دينار للحم الضأن سنة 2010 الى 45 دينار سنة 2024 ويقفز سنة 2026 الى 60 دينار وهو مرشح للارتفاع وفق تقديرات عديد المراقبين.

في عيد الأضحى الفائت برزت أزمة كبيرة في حجم عدد الاضاحي والاسعار التي بلغت أرقاما يعتبرها المواطن التونسي (الموظف) خياليا تجاوز الالف دينار للأضحية التي كان ثمنها قبل عامين ب500 دينار. وارتفاع سعر كلغ اللحم في عيد 2025 70 دينارا.  وهذا الارتفاع في الأسعار حرم كثير من الاسر من المشاركة في طقس الأضحية الذي يعد من أهم المناسبات الدينية وأيضا أبرز مناسبة احتفالية يحضر فيها اللحم كمكون أساسي وذي دلالة رمزية اجتماعيا وثقافيا ودينيا وأيضا من ناحية نفسية.

ومع حلول شهر رمضان 2026، أصبحت أسعار اللحوم عموما شاغلا لملايين التونسيين الذين فاقم التضخم ضعف قدراتهم الشرائية الضعيفة أصلا. في بلد لا يتجاوز فيه الأجر الأدنى المضمون 459 دينارا، يُعتبر بيع كيلوغرام اللحم الأحمر بـ50 أو حتى 40 أو 30 دينارا إقصاء لمئات آلاف التونسيين من دائرة المستهلكين.

هذا الارتفاع الجنوني لاسعار اللحوم يطرح عدة تساؤلات حول العوامل والأسباب سواء المناخية المتصلة بالجفاف وتدهور الاعلاف والعوامل الهيكلية المتصلة بمنظومة الإنتاج والدعم والتوزيع وأيضا حجم الاستهلاك ونوعيته خصوصا في ظل ازمة الذبح العشوائي اناث المواشي من الخرفان والبقر والماعز والتهريب وعديد المسائل الجوهرية التي ستمثل جوهر واشكالية الموضوع.

هل زاد استهلاك اللحوم ؟

يقدر معدل استهلاك الفرد عالميا من اللحوم الحمراء بحوالي 90 كلغ. بينما تشير عدة دراسات وخبراء الى أن معدل استهلاك التونسي للحوم الحمراء بين 8 و9 كلغ (المصدر إذاعة المنستير). ما يعني عشر الكمية. وقد تكون هذه الكمية مستوفاة في عيد الأضحى بشكل مركزي وكميات قليلة سائر العام.

وهو ما يشير الى فوارق كبير من رغبة التونسي في استهلاك اللحوم وقدرته على الوصول اليها. ومن الصعب ان لا يكون اللحم ليس من عادات التونسي.

فقد تراجع معدل استهلاك التونسيين للحوم الحمراء من 11،4 كغ للفرد الواحد في 2015 إلى 8 كغ في 2023. ارتفاع أسعار اللحم يترافق آليا مع ارتفاع أسعار السلع الثانوية “الرخيصة” في محلات الجزارة ك”الكرشة” و”الدوارة” و”الرأس” بل وحتى الأطراف والعظم التي كانت تقدم مجانا، اصبح لها ثمن (ثمن عظم فخذ البقر 3 دينارات).

أضحى التونسي يعبر عن رغبته في اللحوم بمجرد النظر والتأمل ومشاهدة قطع اللحم بنظرة الحرمان، وتخيلها مثل العاشق المتشوق والدعاء بان تكون من نصيبه في الجنة. وهذا العجز عن شراء مادة أساسية وحيوية مثل اللحوم الحمراء يولد الشعور بالحرمان ويضمر مشاعر القهر ويضعف رابط انتماء الفرد تجاه المجتمع ويعزله عن المشاركة بفاعلية في الأدوار الاجتماعية.

ومن منظور نفسي واجتماعي فان رب العائلة عندما يعجز عن توفير اللحم بصفته « سلطان المائدة »، لا يشعر بالجوع فقط، بل يشعر بـ « القهر الاجتماعي ». فالمائدة التونسية بلا لحم هي مائدة « منكسرة الخاطر »، تولد لدى الفرد شعورا بأنه مواطن من الدرجة الثانية، خارج سياق الاحتفال والوجاهة. وذلك مهما كانت طاقة صبر الفرد وايمانه لكن هذا الحرمان يفصله عن متع الحياة.

في الموروث الشعبي فان « الكسكسي بالخضرة » (بدون لحم) الذي كان يسمى « كسكسي العزوزة » أو « كسكسي الزوالي » بلمسة دعابة، أصبح اليوم هو القاعدة القسرية » لا « الاستثناء الاختياري »، مما حول المزحة إلى مسحة حزن.

كما ان الحرمان من اللحم ليس نقصا في البروتين فقط، بل هو أيضا شرخ في الهوية الاجتماعية ». فالفرد الذي لا يستطيع مجاراة طقوس مجتمعه في الأعياد والمناسبات، ينسحب تدريجيا إلى عزلة اختيارية، شاعراً أن الرابط الذي يجمعه بالوطن قد انقطع عند عتبة الجزار. بسبب شعوره بالدونية وعجز مقدرته امام بورصة اللحم المرتفعة.

المواطن التونس لم يعد يحب اللحم؟

وأكّد الرئيس المدير العام لشركة اللحوم طارق بن جازية في تصريح لوكالة تونس افريقيا للانباء، أنّ استهلاك اللحوم الحمراء في تونس شهد خلال السنوات الأخيرة تراجعا مهما. أنّ معدل استهلاك الفرد قد تراجع من 11 كغ للفرد الواحد في السنة عام 2015، إلى 8.6 كغ للفرد سنة 2021. وأوعز ذلك إلى ارتفاع الأسعار.

وتراجع عدد القصابين في تونس من 9 آلاف إلى 7 آلاف سنة 2023، نظرا إلى مصاعب التزويد والتسويق وتراجع الاستهلاك، وفق الغرفة الوطنية للقصابين. كما أن غياب التكوين اللازم وضعف المستوى التعليمي لعدد من القصابين، يحدّ مردودية المحلات.

ويشير عدد من الجزارين ان غلاء الأسعار وتراجع الاستهلاك أثر في عملهم ودفع بعدد كبير من القصابين إلى إغلاق محلاتهم وغير بعضهم نشاطه. وتحدث احد الجزارين عن نقص الذبائح بشكل كبير خصوصا في صنف الخرفان (الذكور) واصبح عدد كبير من الجزارين يبيعون لحوم الماعز بدل الضأن. واصبح اتجاه المواطن نحو لحوم الدواجن وبدائل أخرى حسب قدرته الشرائية.

قطيع الماشية يندثر؟

تتالت تصريحات ممثلي اتحاد الفلاحين عن ازمة قطاع تربية الماشية في تونس واكدوا تدهور عدد القطيع الذي شهد تراجعا بين 40 و50% في السنوات الأخير. وفي نوفمبر 2025 صرح وزير الفلاحة التونسي أكد وزير الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري في تونس عز الدين بن الشيخ، تراجع قطيع الأبقار بنسبة حوالي 20% خلال الفترة الأخيرة بسبب عوامل مناخية صعبة وارتفاع أسعار الأعلاف.

وهذا التراجع متصل بعدة عوامل ليس تزايد الاستهلاك سوى حلقة صغيرة ضمنها إذا ما تمت مقارنة بظروف الإنتاج وعوامل هيكلية وأخرى إقليمية وعوامل مناخية.

وقد اتجهت الحكومة في الأعوام الفارطة الى توريد كميات من اللحوم المبردة من أوروبا. وقبلها تم توريد قطعان من الاضاحي من رومانيا واسبانيا.

وهذا العام تمت الإشارة الى إمكانية توريد 35 الف راس غنم منها 15 الف ذبيحة مبردة.

غير ان هذه الحلول الوقتية لا يجب ان تحجب الحاجة الى خطة استراتيجية علمية وواقعية مبنية على معطيات ميدانية حقيقة وتنفذ بشكل شفاف بعيدا عن ايدي الوسطاء واللوبيات المتهمة دوما بالتلاعب بقوت المواطن وحقه في الوصول الى المواد الاستهلاكية الحيوية بأسعار تراعي القدرة الشرائية المتدهورة في ظل تأخر تحديد قيمة الزيادة في ااجور وفق مقررات ميزانية 2026.

التغيرات المناخية في قفص الاتهام

لا يجب اقصاء العوامل المناخية عن عوامل تراجع عدد القطيع وإنتاج اللحوم وارتفاع الأسعار. فالمناخ ليس متهما ثانويا، بل هو عنصر أساسي، لارتباط الإنتاج الحيواني بعنصر الطبيعة والموارد المائية والعشبية. ونظرا لتلقص المراعي جراء الجفاف والعطش تحوّل ‘العلوش’ من حيوان يرعى في المراعي المفتوحة إلى رهينة لدى شركات الأعلاف المستوردة واصبح يمثل عبئا كبيرا على مربي الماشية وتضاعفت تكلفة رعايته مقابل تراجع مردوديته مما اضطر كثيرا الى التضحية به في ظل الظروف الصعبة اما بالتفريط فيه بالبيع او بالذبح كمصدر للغذاء.

في دراسة ميدانية اجريناها قبل عامين بمنطقة حوض نبهانة بالقيروان، افاد عدد من الفلاحين ان شح مياه السد وتراجع المساحات المزروعة والزراعات العلفية، اضطروا الى التفريط في القطيع، من الخرفان والابقار. وهو ما يسمى بالتضحية في ظل ارتفاع أسعار العلف من 15 دينار للكيس الى 40 دينار. ما يعني ان التغيرات المناخية ضيقت من خيارات الفلاح المنهك وأجبرته إلى التخلي عن رأسماله بشكل مؤلم حيث اضطر لذبح إناث القطيع لأنه لم يعد يملك ثمن سقياها أو إطعامها، وهو ما يعني نحر مستقبل الثروة الحيوانية في تونس. »

في المقابل وجد الفلاح نفسه وحيدا أعزل امام منظومة توزيع الاعلاف الاحتكارية سواء المستوردة او المدعومة. حيث إن تبعيتنا للأعلاف المستوردة (الصويا والذرة) هي نتيجة مباشرة لعجز هيكلي عن مواجهة الجفاف بسياسات زراعية بديلة، مما جعل « كيلو اللحم » التونسي لا يخضع لقيمة الأجور وانما مرتبطا بأسعار البورصات العالمية أكثر من ارتباطه بالمراعي المحلية المتآكلة.

وكشف المناخ هشاشة السياسات الإنتاجية القديمة فلم تعد الحلول الترقيعية تجدي نفعاً أمام زحف الجفاف الذي التهم المساحات الخضراء، وحوّل تربية الماشية من نشاط مزدهر إلى مغامرة لدى صغار الفلاحين ولم يصمد سوى كبار الفلاحين والتجار.

ومن هنا تحول وصول المواطن الى اللحوم الحمراء من حق أساسي واتصال مباشر الى تنافر وتباعد شكل من أشكال الرفاهية الغذائية التي لا يستطيع اليها سبيلا سوى أصحاب الدخل العالي من الموظفين او اصحب الأرباح العالية. أما أصحاب منح الفقر فان جرايته الشهرية (260 دينار) لا تكفيه خبز ومقرونة وزيت وخضراوات فضلا عن الادوية والحاجيات الاساسية.

هرمون السعادة والاجر الادنى !

في تونس، لم يكن اللحم يوما مجرد سلعة تعرض للبيع، بل كانت « الزهومة » دوما معيارا للوجاهة والقيمة. فهو « سلطان المائدة » الذي يمنح للكسكسي هيبته، وللمناسبات قدسيتها. فمن « مسلان » العيد إلى « مرقة » الأعراس في فجاج « بر جلاص » بالقيروان، ظل التونسي وفيا لثقافة « الزهومة »، تلك الرائحة التي تسكن الذاكرة وتختزل مفاهيم الشبع والسعادة والطاقة.

لكن هذه « الرومانسية الغذائية » تعيش اليوم أحلك فصولها؛ فبين جفافٍ أكل المراعي وحوّل « العلوش » من كائن حر إلى رهينة للأعلاف المستوردة، وبين سياسات إنتاجية تركت الفلاح وحيداً يواجه « نحر » ثروته، انكسر الرابط المقدس.

لقد تحول اللحم من « هرمون للسعادة » إلى « مصدر للقهر الاجتماعي »؛ فالمواطن الذي بات يكتفي بـ « نظرة الحرمان » أمام واجهات الجزارين، لا يعاني فقط من نقص البروتين، بل يعاني من شرخ في هويته وانتماءه. حين تصبح « الكرشة » و »العظم » سلعاً تُباع بعد أن كانت تُهدى، وحين يصبح الكيلوغرام الواحد يلتهم عشر راتب عامل يخضع للسميغ (530د)، ندرك أننا أمام « مجاعة رمزية » تصنف التونسيين إلى طبقات حسب قدرة وصولهم إلى طبق الدسم.

إن استعادة دورة الإنتاج ليست مجرد أرقام محاسبjية، بل هي محاولة لترميم « خاطر » المائدة التونسية المنكسر. إن التونسي لا يريد أن يظل استهلاك اللحم لديه حُلماً مؤجلاً إلى « الجنة »، بل يطمح إلى عدالة غذائية تعيد « الزهومة » إلى مطبخه في الدنيا، ليعود الكسكسي شامخاً بقطعة اللحم، وتعود معها كرامة المواطن وشعوره بالرضا.

فهل تنجح صرخة الإصلاح في مداواة أزمات المناخ ومتاهات السياسة، أم يظل « سلطان المائدة » غائبا.. يطارد التونسي طيفه على انستغرام  وفيسبوك واخبار وزارة التجارة وشركة اللحوم ، بينما يكتفي في واقعه بمغازلة الدجاج والسباحة ضد تيار الأسماك التي يرتفع سعرها اعلى من أمواج تسونامي في رمضان كأنها في سباق قفز بين المحيطات.

 

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *