الانتقال الطاقي في تونس والاستثمارات الاجنبية: هل نؤسس للسيادة أم لـ “تبعية” خضراء؟

ناجح الزغدودي-باحث في علم الاجتماع البيئي

تحت شعارات “التنمية المستدامة” و”مواجهة التغير المناخي”، تسعى البلاد التونسية نحو استراتيجية وطنية للانتقال الطاقي عبر جملة من اليات الاقتصاد الأخضر لتقليص الانبعاثات الغازية وتقليل حجم الكربون وذلك عبر السعي نحو طاقات متجددة مثل الهيدروجين الأخضر والربط الكهربائي مع أوروبا بالطاقة الشمسية. في هذا الصدد يكشف  الخبير الطاقي إلياس بن عمار عن جملة من المعطيات التي تجعلنا نعيد التفكير في هذه الاستراتيجية عبر الانتباه الى عنصر السيادة الطاقية. حيث يرى أننا بصدد تحويل التراب الوطني إلى “فضاء استخراجي” يخدم القوة الصناعية الأوروبية على حساب الموارد الطبيعية والامن الطاقي في تونس.

جاءت مداخلة السيد الياس بن عمار خلال ورشة نقاش تضمنها المنتدى الجهوي للعدالة البيئية والمناخية في دورته الخامسة الذي نظمه مكتب المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية بالقيروان.

مشاريع طاقة متجددة من المستفيد؟

اعتبر بن عمّار ان مشروع ربط الكهرباء بين تونس وإيطاليا، غير منصف لتونس وان بنوده لا تضمن أدنى توازن للقوى بين الطرفين. فالمشروع يهدف ظاهرياً إلى التقليص من انبعاثات الكربون تبعا لالتزامات البلاد التونسية ، بينما لا تكاد انبعاثات تونس تذكر على الصعيد العالمي مقارنة بالصين والولايات المتحدة وأوروبا مضيفا ان هذه الأهداف تخدم أوروبا بدرجة اولى.

ويرى بن عمار أن هذا التوجه يكرّس تلبية رغبة المستهلك الأوروبي وما وصفه النزعة الاستعمارية الجديدة؛ إذ تتجه المخططات اليوم لاستغلال شمال افريقيا كمجال حيوي ومخزن طاقة رخيص لدول الاتحاد الأوروبي عبر مشاريع الطاقات المتجددة وعقود غير منصفة حسب قوله، مما يجعل تونس مجرد حلقة في سلسلة التوريد الأوروبية لا شريكا استراتيجياً. مشيرا تحديدا الى مشاريع الطاقة الشمسية الممولة من البنك الدولي (القيروان مثالا) والتي تنفذها شركات دولية اجنبية وليست شركات تونسية.

مؤكدا انه كان بإمكان الشركة الوطنية للكهرباء والغاز ان تنجز هي المشروع او يتم أعطاه الى شركات صغرى تونسية بدل تسليم السيادة الطاقية والامن الطاقي الى مؤسسات خاصة اجنبية.

التصدير الافتراضي للماء

من بين النقاط المهمة التي ناقشتها الورشة هي قضية تبني انتاج ما أصبح يعرف بالهيدروجين الأخضر. حيث يطرح الخبير الطاقي إلياس بن عمار رؤية نقدية عميقة للاستراتيجية الوطنية للهيدروجين الأخضر، معتبراً إياها مشروعاً يخدم القوى الصناعية الكبرى على حساب السيادة الوطنية والموارد المحلية.

فعملية إنتاج الهيدروجين الأخضر تتطلب كميات ضخمة من المياه. وبحلول عام 2050، سيستهلك المشروع قرابة 260 مليون متر مكعب من المياه سنوياً، وهو ما يمثل ربع احتياجات تونس من مياه الشرب.

هذه المفارقة تعني أننا سنقوم بضخ مياهنا لإنتاج وقود يحرق في محركات أوروبا، ليخرج على شكل بخار في سمائها ويتحول الى مياه صالحة للاستعمال، بينما تعاني جهات مثل القيروان وسيدي بوزيد وقفصة من العطش وانقطاع مياه الشرب. معتبرا ان العملية تتعلق بتصدير الماء وليس الطاقة وحدها.

فخ القروض  

حذر بن عمار من الارتهان للتمويلات الخارجية، مؤكداً أن الخطاب الرسمي يقدّم مغالطات كثيرة لإخفاء حقيقة التبعية. وشدّد على أن كل القروض التي يقدمها الأجانب تصبّ في نهاية المطاف لمصلحتهم ولفائدة مشاريع شركاتهم، وغالباً ما يتم ذلك بتورّط السلط المحلية في أحيان كثيرة لتسهيل هذا الاستنزاف.

واعتبر ان هذه القروض لا تُمنح لتطوير الشركة الوطنية للكهرباء والغاز (STEG)، بل لتعبيد الطريق أمام الخواص والمستثمرين الأجانب للاستحواذ على المواقع الاستراتيجية لإنتاج الطاقة في تونس.

البديل الوطني

أمام هذا الواقع المثير للجدل بين حاجة البلاد التونسية الى الانتقال الطاقي وتخفيض استهلاك الطاقة، شدّد إلياس بن عمّار على ضرورة المواجهة والالتزام بالروح الوطنية الصادقة للحفاظ على ثروات البلاد. ودعا إلى تقديم مقاربات بديلة تضمن السيادة الطاقية الحقيقية عبر تعبئة الموارد بصفة ذاتية  دون انتظار معونات الأجانب التي تزيد من المديونية.

واقترح ان يتم تمكين الشباب والشركات الأهلية والبلديات من إنتاج طاقتهم بأنفسهم، بدلاً من منح آلاف الهكتارات لشركات أجنبية تصدر إنتاجها للخارج. مشددا على ضرورة حماية المرفق العمومي عبر دعم  شركة “الستاغ” وتطويرها لتكون هي الضمانة للحق في الطاقة لجميع التونسيين، بعيداً عن منطق الربح والمضاربة.

يبدو بحسب الخبير بن عمار أن ما وصفه “الاستعمار الأخضر” قادم تحت غطاء القروض الدولية والاتفاقيات الفنية والوعود البيئية البراقة. داعيا لاستعادة السيادة على الموارد الطبيعية (شمس، ريح، ماء) وجعلها أداة للتنمية المحلية والكرامة الوطنية، لا مجرد وقود لرفاهية الشمال على حساب شقاء الجنوب. مشددا على قدرة الراس المال المحلي والوطني على الاستثمار في هذه الطاقات المتجددة خصوصا الشمس والرياح لانتاج طاقات بديلة تحقق الامن الطاقي وتحقق الانتقال الطاقي تدريجيا دون التفريط في مصادر الطاقة التقليدية مقدما امثلة ذلك أوروبا والصين وامريكا التي ما تزال تعتمد الطاقات التقليدية (الغاز والنفط والفحم) في انتاج الطاقة.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *