ريبورتاج : ناجح الزغدودي، صحفي وباحث في علم
الاجتماع
لشهر رمضان في قلوب التونسية مكانة عظيمة ورمزية دينية وروحانية جليلة لا يظهرونها في التحضيرات المنزلية والاقبال على الأسواق قبل يوم او يومين من دخول الشهر الكريم، وانما تظهر أيضا في الأجواء الاسرية والاجتماعية والأنشطة الدينية واستعداد المساجد وجملةالعادات الاقتصادية والاجتماعية، وتخلع عن البلاد ثوبها اليومي وتكتسي بألوان من الضياء الروحي ومعاني الحياة.
هذه الرمزية الروحانية ومظاهر الفرحة بقدوم شهر رمضان بشكل تبرز بأكثر تجليا في مدينة القيروان من خلال جملة من العادات القيروانية الاصيلة والقيمة الحضارية للمدينة ومعالمها الدينية كونها اول قبلة للإسلامفي افريقية وعاصمة حضارية لعدة قرون.
حيث تشعر وأنت تسير في أزقتها أن الجدران البيضاء تتنفس تسبيحا، وأن الحجارة العتيقة تهمس بقصص ألف عام من المجد والجمال. ويراودك شعور أعمق أنالقيروان مجرد مدينة تستقبل شهرا كريما، بل هي حضارة كاملة تستعيد أنفاسها وايقاع أنشطة حرفية تربط الحاضر بالماضي.
تشهد ولاية القيروان منذ ايام حركية ملحوظة على المستوى الاقتصادي والاجتماعي كمظهر من مظاهر الاستعداد لشهر رمضان علاوة على الاستعداد النفسي والديني. فتتجمل المنازل والمساجد وتتولد حركية شديدة في الأسواق وتتمايل الأكياس والسلال كما تنشط حركة الزائرين ومنهم المقيمون في الخارج وتعبق رائحة البخور في المنازل والأسواق.

النحاس المطروق: رنين الاجداد ولمسات معاصرة
في الحي الحرفي النحاسين، يواصل الحرفيون نفس الإيقاع والرنين المتوارثة عن الأجداد في طرق النحاس وتشكيله وتطويعه تحت السنة اللهب وضربات المطرقة الشبيهة بايقاع فرقة نحاسية، داخل ورشات عتيقة يتوارثها الأبناء عن الإباء.
في هذه الورشات يتم تلميع الاواني النحاسية وتجديدها لاستقبال شهر رمضان وهي من عادات أهالي المدينة، تحرص عليها الاسر في إشارة الى ان المرأة القيروانية لا تستقبل رمضان إلا بأوانٍ نحاسية لامعة تعكس ضياء الشمس وتنير وجه الاسرة امام ضيوف هذا الشهر الكريم.
فيتم في هذا الحي الحرفي القيام بأعمال تجديد الاواني النحاسية التي تجلبها الأسر، كما يقم الحرفيون بعرض اخر ابتكاراتهم من الاواني النحاسية التي اضفوا عليها لمسات معاصرة وابتكارات تواكب العصر من حيث الاحتياجات والاستخدامات.
كما تحرص الاسر القيروانية على اقتناء جملة من المنتوجات التقليدية من النسيج والزرابي التي تعرض في أسواق المدينة العتيقة وتختص في صناعتها حرفيات من سائر مناطق الولاية من ريفها وحضرها، وتعرض في سوق الزرابي. وتعتبر هذه السوق من اقدم صور العرض والطلب. حيث يتم المزايدة على السعر بشكل علني من قبل التجار. وتسمى العملية “الدلالة” ما يجعل هذا السوق بمثابة بورصة تحدد سعر الزرابي وقد تظلم الحرفيات حقهن اذا ما تكتل التجار وتحالفوا لتبخيس سعر الزربية في سوق يعتبر فضاء ذكوريا بامتياز فضلا عن سلطة راس المال فيه على حساب حقوق الحرفيات.
تبييض الجدران واضاءة الشوارع
مع انتصاف شهر شوال، الذي يعتبره الاهالي مناسبة دينية تبشر بقدوم شهر رمضان، تتحول المنازل إلى ورشات اشغال مفتوحة حيث يمتزج “تبييض الجدران” بالجير مع القيام بحملة تنظيف منزلية كبرى وغسيل المنسوجات التقليدية وتنظيف الزرابي واخراجها لتزين البيوت وتجمل الجلسات الرمضانية.
خارج المنازل، تنشطر اشغال تنوير الشوارع وتزيينها بمناسبة قدوم شهر رمضان ويظهر المسؤولون حرصا على ابراز صورة جميلة للمدينة ولانفسهم عسى تمحو طول التقصير والتقاعس طوال الأشهر الماضية.
حيث تولت السلط الجهوية والبلدية تنظيم جملة من نقاط البيع وانتصاب الباعة وتهذيب الانتصاب الفوضوي على غرار نقاط بيع الخضر والملابس المستعملة بطريق حفوز التي اكتسحت الشوارع وازعجت السكان ومستعملي الطريق.
كما تعهدت البلدية بصيانة التنوير العمومي بالشوارع خصوصا بمداخل مدينة القيروان وتجميل حواشي الطريق والقيام بحملة نظافة واضاءة وتغيير المصابيح القديمة بمصابيح جديدة مقتصدة للطاقة.
ضرب المدفع يبهج الاطفال
حافظت مدينة القيروان على عادة اطلاق مدفع رمضانالذي يعتبر بمثابة إشارة صوتية وضوئية لاعلان موعدي الإفطار والامساك. وقد استجابت البلدية لطلبات الأهالي بمواصلة الحفاظ على هذه العادة من خلال صيانة منصة اطلاق المدفع الوقع بأحد أبراج سور المدينة العتيقة المطل على جمع عقبة بن نافع.
وهو عبارة عن كبسولة محشورة بالبارود تطلق عبر ماسورة مغروسة في الأرض يشرف على اطلاقها موظف تابع للبلدية تحت اشراف خبراء امنيين. وتعتبر من بين العادات القديمة (تعود الى فترة الحكم العثماني) التي أصبحت جزءا من التراث الرمضاني المعبر عن أجواء رمضان. حيث يتجمع حوله الصغار رفقة اسرهم ليشهدوا أجواء “ضرب” المدفع في مشهد احتفالي بهيج.
بين العولة والعولمة
ومن بين العادات الاجتماعية التي تحييها العائلات القيروانية استعدادا لشهر رمضان هي إعداد «العولة» سواء من الحبوب (القمح والشعير) من كسكسي و«دشيش» و«بسيسة» او من التوابل التي تستعمل على مدار شهر رمضان من اجل إبراز رائحة الطعام واذكائها بالنكهات الشهية وتحضير الخبز المنزلي.
وقد تقلصت عادات “العولة” ذات الرمزية الاجتماعية والاقتصادية التقليدية المتأقلمة مع تغيرات المناخ وتقلبات الطقس وأيضا الظروف السياسية المحلية والإقليمية، لتفسح المجال امام المنتجات المعولمة المصنعة محليا المستوردة جراء تسارع نسق الحياة المهنية والتحولات الاجتماعية وارتباط المرأة بالشغل والدراسة، كونها هي محور هذه الأنشطة الاجتماعية.
اقبال ضخم رغم التضخم
لا تخلو الأجواء الروحية والقيمة الرمزية الدينية لشهر رمضان التي تحث على الصبر وتحض على تنظيم مسالة الأكل والشرب دون التبذير والاسراف، لا تخلو من لهفة واندفاع لتلبية الرغبات وشهوات الاكل والزينة الى حد المنافسة الطبقية والتقليد بدل التقاليد. وهي فرصة سانحة امام المحتكرين الذين يخاتلون الرقابة القانونية والمعنوية.
مختلف الأسواق بالجهة (لا تزال فوضوية)، تستقبل عددا متزايدا من الزبائن. ويحرص المواطنون الذين ينزلون الى الأسواق ويترددون على المغازات الكبرى، على اقتناء بعض المواد القابلة للخزن او المواد التي يمكن استعمالها طيلة شهر رمضان من بقول وتوابل واواني سواء كانت نحاسية او غيرها.
وقد أصبح الافراد يتهافتون بشكل كبير على الفضاءات التجارية الكبرى التي تزايد عددها مكتسحا عمل المحلات الصغرى للمواد الغذائية بالأحياء. وذلك بسبب توفر مختلف المواد الاستهلاكية من جهة وبسبب مصيدة أسعارها التفاضلية المزعومة.
اما سكان الأرياف بمختلف المعتمديات فيتوافدون على الأسواق الاسبوعية وتوجهون الى وسط المدينة من اجل التزود من الأسواق الأسبوعية بمختلف الحاجيات الأساسية واقتناء «العولة». وهو ما ولد حركية كبرى بمختلف المدن بلغت ذروتها حد الاختناق المروري خاصة وان هذه الحركية تتزامن مع أنشطة الحياة اليومية من الأنشطة المدرسية والمهنية.
مرتبات عاجزة امام الرغبات
وما يلاحظ في هذه الأسواق هو توسعها التدريجي مع كل يوم يقترب فيه شهر رمضان وتضخمها من ناحية الكميات والاقبال وأيضا تضخم الأسعار.
الخضر والغلال والبقول والتوابل وهي من المواد التي تشهد إقبالا متزايدا، أصبحت تعاند المواطن وتتحداه كأنها في سباق نحو الرقم القياسي. وحدث ولا حرج عن ارتفاع أسعار الأسماك كان البلاد ليس بها سواحل او تورد الاسماك.
اما اللحوم الحمراء فتجاوزت الخطوط الحمراء في ارتفاع الأسعار وارتفاع حالات الغش المتواصلة أمام غياب المراقبة الصحية والبلدية حتى أضحى الجزارون يذبحون المواشي داخل محلاتهم دون رادع او مانع بلدي او صحي او من المراقبة. ومن خاب ظنه في أسعار الأسماء واللحوم الحمراء يتجه الى الدواجن فيجد فيها هامش الاختيار وهو مضطر مكره. وأصبح طبيعيا مشاهدة اشخاص يحدثون انفسهم وهم يغادرون المحلات بعد ان دخلوها متفائلين مشحونين بأمنياتهم ومرتباهم الثابتة امام حالة التضخم المستمر.

سفراء القرآن الكريم
لا يهمل أهالي القيروان الجانب الروحي والديني في الاستعداد لشهر رمضان المعظم. فالقيروان الشهيرة بكثرة مساجدها، تولي اهتماما بصيانة هذه المعالم لاستقبال المصلين طوال شهر رمضان. فيتم تجديد دهن المساجد وتجديد فرشها خصوصا من الزرابي وصيانة معداتها الصوتية.
ويتم أيضا تكوين الائمة القراء واختيار نخبة من حفظة القران الكريم تحت اشراف الجمعية القرآنية. وتنظيم مسابقات في صفوف الشبان والكهول والأطفال وتهيئة عدد منهم لإمامة المصلين في صلاة التراويح كانهم سفراء القرآن الكريم.
وقد شهد جامع عقبة في نصف شعبان تظاهرة دينية بعنوان “ليلة القراء” لتدريب الائمة الكهول وقبل أسبوع فسح المجال امام الأطفال في تظاهرة “ليلة القراء الصغار” لتدريب الأطفال على الامامة في شهر رمضان.
كما تحضرت المندوبية الجهوية للشؤون الدينية لتنظيم جملة من الأنشطة الدينية خلال شهر رمضان بالمساجد والكتاتيب من خلال مسامرات وندوات ومسابقات في حفظ وتجويد القران الكريم والأحاديث النبوية.
من جهة ثانية نشطت مبادرات اجتماعية لمساعدة العائلات المعوز من خلال مبادرات لجمعيات ومنظمات مثل مائدة الإفطار التي تقيمها الكشافة التونسية من خلال توزيع عشرات وجبات الإفطار والسحور على الاسر الفقيرة بفضل تبرعات من المواطنين. وأيضا مبادرات فردية لمواطنين يبتغون فعل الخير. فضلا عن المساعدات الرسمية التي تم صرفها (60 دينار لكل عائلة).
خبز القيروان: سلطان المائدة
ولا تكتمل ملامح المطبخ القيرواني ومائدة رمضان دون الحديث عن “الخبز القيرواني“، ذلك الضيف المبجل الذي لا تغيب شمسه عن أي مائدة. فالخبز في القيروان ليس مجرد مادة استهلاكية، بل هو حرفة تتوارثها الأجيالوعنصرا أساسيا في العادات الغذائية.
تزدحم المخابز التقليدية وأفران “الطابونة” قبل الإفطار بساعات، حيث تفوح في الأزقة رائحة الخبز متعدد النكهات الموشّح بـ “السينوج” (الحبة السوداء) وحبات البسباس، وهو ما يمنحه نكهة فريدة لا تجدها في أي مكان آخر. ورغم حداثة الأفران الكهربائية، يصرّ القيرواني على خبزه العتيق من افران تقليدية الذي يحافظ على طراوته ونكهته المميزة، في تمسك لافت بخصوصية المذاق التي تأبى الاندثار.
الى جانب الخبز، تشهد القيروان بمناسبة شهر رمضان اقبلا على الحلويات التقليدية خصوصا المقروض. ويتحولان الى قيمة تبادلية من خلال الهدايا ومفرحات للأسر تزين أجواء السهرات الرمضانية خصوصا مع قهوة المساء في السهرات العائلية.

قبلة الزوار والضيوف
تشهد القيروان بمناسبة شهر رمضان، اقبالا كبيرا للزوار ليشهدوا أجواء هذا الشهر الكريم ونفحاته المخصوصة وليلتمسوا الأجواء الفريدة بالمعالم الدينية العتيقة والمسالك السياحية. وتنشط ما يعرف بالسياحة الثقافية او الدينية بالمدينة. كما تستقبل الاسر ضيوفها بحفاوة وتتحول المدينة الى مزار ينشط الحركية السياحية.
وحدث ولا حرج عن الحركية الليلية في مدينة القيروان بمناسبة الشهر المعظم بين ردهات المساجد ومقاعد المقاهي وتبادل الزيارات والأجواء الرمضانية المنعشة.
هي القيروان التي تمزج اليوم بين “وجع الواقع” الاقتصادي و”سمو التجليات الروحانية“، لتثبت أنها مدينة لا تموت، فلا يمكن أن تعيش رمضان في القيروان دون أن تستشعر جلال تاريخها. فالقيرواني يدرك بالفطرة أن مدينته هي “الأم” التي احتضنت الفتح الأول.
هذا الشعور ليس مجرد فخر بالماضي، بل هو واقع تراه في عيون الناس وهم يستقبلون الزوار بابتسامة دافئة ورحابة صدر، معتبرين مدينتهم منارة لا تنطفئ وقلباً نابضا بالهوية العربية والإسلامية التي انطلقت من هنا لتعمّ العالم وهم يدركون انها ما تزال كذلك رغم كل الصعوبات والخذلان...رمضان كريم.



