- تستعرض الورقة التجربة العملية لقرية زغدود بالوسلاتية كنموذج قابل للتعميم في تقنية حصاد المياه كاستراتيجية فعالة لمجابهة شح المياه في ظل التغيرات المناخية المتسارعة وتبرز الدور المهم للتراث المائي القديم في إلهام الحلول المستدامة والقدرة على الصمود أمام التحديات المائية والمناخية المتنامية.
ناجح الزغــدودي-باحث في علم الاجتماع البيئي
تشهد المنطقة العربية وشمال أفريقيا على وجه الخصوص أزمة مائية حادة تهدد الأمن الغذائي والاستقرار الاجتماعي والاقتصادي. وتعتبر تونس من أبرز الدول التي تعاني من ندرة حادة في الموارد المائية، إذ يبلغ نصيب الفرد من المياه حوالي 435 متر مكعب سنوياً، وهو ما يمثل حوالي ربع الكمية اللازمة لتلبية الاحتياجات الأساسية وفق المعايير الدولية.
محليّا، تتسم ولاية القيروان بمناخ شبه جاف في الشمال الغربي وجاف في الجنوب، حيث يتراوح معدل الهطول السنوي بين 390 ملليمتر في الشمال و200 ملليمتر في الجنوب. وتتسم هذه الأمطار بعدم انتظام التوزيع الزمني والمكاني، مما يعني أن معظم الأمطار تسقط في فترة قصيرة خلال الخريف والشتاء، تاركة فترات طويلة من الجفاف.

وتصدرت منطقة القيروان أعلى نسبة في الجمهورية من حيث حوادث انقطاع المياه لعدة سنوات، إذ سجلت أكثر من 20 حادثة في السنة (وفق المرصد التونسي للمياه)، وفي السنوات الأخيرة ارتفع العدد بشكل حاد. وهو ما يؤثر على قطاعات حيوية وحياة المواطنين أمام تأخر مشاريع الربط والصيانة.

في هذا السياق المتغير، تكتسب تقنية حصاد مياه الأمطار أهمية متزايدة، لا سيما في المناطق الريفية التي تعاني من نقص الموارد المائية أو تراجع مصادرها التقليدية مثل العيون والأودية خاصة في المناطق الجافة وشبه الجافة. وقد أثبتت هذه التقنية فعاليتها عبر القرون من خلال الأنظمة التقليدية كالمواجل والفسقيات، التي طورها الأجداد للتكيف مع بيئتهم الجافة.
حصاد المياه: التقنية والهوية
تقنية حصاد المياه يمكن وصفها بكونها مجموع العمليات والتقنيات المستخدمة لجمع ومخزن وتنقية واستخدام مياه الأمطار من سطوح الأسطح والأراضي والطرق ومجاري الاودية ويتم تجميعها في احواض مختلفة الاشكال مثل الابار السطحية والمواجل والاحواض.
وتوفر التقنية فوائد فورية على المستوى المحلي، حيث يمكن للأسر استخدام المياه المحصودة في الاحتياجات اليومية والأنشطة الزراعية دون تأخير أو انقطاعات متكررة. وفي السياق الأوسع، تسهم تقنية حصاد المياه في تعزيز القدرة على الصمود المناخي، حيث توفر مصدرا موثوقاً للمياه حتى في فترات الجفاف الممتدة. وتزداد أهمية هذه الإمكانيات خاصة في المناطق الداخلية والريفية التي تعاني من الاستهلاك المرتفع للمياه الجوفية وقصر فترات الهطول.
ثقافة المواجل والفسقيات
تمثل نظم جمع المياه التقليدية في المناطق الجافة وشبه الجافة بشمال أفريقيا شاهدا على عبقرية الإنسان القديم في التعامل مع البيئة الصعبة. وتعتبر المواجل من أقدم وأكثر الأنظمة فعالية في هذا المجال، وهي عبارة عن خزانات تحت الأرضية مبنية من الحجر والجير، تُستخدم لتجميع وتخزين مياه الأمطار المحصودة من الأسطح والمساحات المحيطة.
وقد اعتمد الأجداد على نظام المواجل لقرون طويلة، حيث وفرت لهم مصدرا موثوقا للمياه يساعدهم على البقاء والازدهار في بيئة جافة وقاسية. وتتميز المواجل التقليدية بقدرتها على الحفاظ على المياه من التبخر من خلال تصميمها تحت الأرض، كما أنها توفر عزلاً طبيعياً يساعد على الحفاظ على جودة المياه.
وفي منطقة القيروان بالذات، تمتد الشهادات التاريخية على وجود أنظمة مائية متقدمة إلى عصر الدولة الأغلبية في القرنين التاسع والعاشر ميلادي. وتمثل فسقيات الأغالبة الشهيرة نموذجاً متميزا من أنظمة تجميع المياه التي كانت تزود مدينة القيروان بكميات كبيرة من المياه، مما سمح بازدهار المدينة كمركز حضاري وعلمي مهم في المنطقة. وهي عبارة عن احواض كبيرة لتجميع مياه الامطار المتدفقة من السيول والموصولة بأنظمة قنوات قصد تحويلها لاحقا للاستخدامات الحياتية. وهو ما أكدته حفريات علمية أجريت بمحيط الفسقية وكشفت وجود قنوات ومنظومة مائية شديدة التعقيد.
وبالإضافة إلى المواجل المغطاة داخل المنازل التي ما تزال شواهدها كثيرة بالمدينة العتيقة بالقيروان وتنسج حولها ذاكرة شعبية وطقوس استخدامات يومية وتعتبر موروثا ثقافيا متسما بالحكمة والمعرفة في التصرف في الموارد المائية وتدبيرها في الحياة اليومية للمنازل.
كما كانت هناك أنظمة أخرى مثل المواجل المفتوحة وهي عبارة عن أحواض مفتوحة أو مغطاة تُستخدم لتجميع المياه على مستوى أكبر من المواجل المنزلية وتستخدم بشكل اكبر في المجالات الفلاحية.
هذه الأنظمة القديمة ليست مجرد تراث تاريخي فقط، بل تمثل إرثا بيئيا ومعرفيا يوضح كيفية تطور المعارف الإنسانية للتعامل مع البيئة الصعبة والظروف المناخية الشديدة وتعتبر مصدر إلهام للحلول المستدامة في الظروف الراهنة مثل التي تعيشها تونس.
الدولة ودعم تقنية حصاد المياه
أدركت الحكومة التونسية أهمية تقنية حصاد المياه في معالجة أزمة الندرة المائية، وعملت على دعم هذه التقنية من خلال عدد من السياسات والبرامج الفعالة. وقد قامت وزارة التجهيز بإطلاق برنامج قروض بدون فائدة موجهة للمواطنين الراغبين في بناء مواجل خاصة بهم، حيث يمكن للمستفيد الحصول على قرض يصل الى 20 ألف دينار قابلة لامهال السداد على 7 سنوات لتمويل مشروع بناء ماجل في منزله.
وفي خطوة أكثر جرأة، بدأت البلديات بفرض شرط إلزامي لإنشاء مواجل كجزء من شروط الحصول على رخص البناء الجديدة على غرار بلدية القيروان. وهذا يعني أن أي بناء جديد في المناطق المشمولة بهذا الشرط يجب أن يتضمن منذ البداية نظام حصاد مياه متكامل.
كما أنشات مشاريع حصاد المياه ضمن مشاريع ممولة بعدد من المؤسسات التربوية عبر ربط اسطح المؤسسة لتجميع مياه الامطار بدل هدرها وتدفقها بشكل قد تنجر عنه مشاكل بيئية.
مشروع زغدود بالوسلاتية
يمثل مشروع قرية زغدود الواقعة بالوسلاتية نموذجا عمليا ملموسا لنجاح تطبيق تقنية حصاد المياه على مستوى المجتمع المحلي. حيث اصبح للأسر موارد مائية بديلة في حياتهم اليومية عوضت ولو نسبيا اعتمادهم الكلي سابقا على مياه العين التي تزود مئات الاسر التي تمسكت بالبقاء على تخوم الجبال والتضاريس الوعرة مقاومة للجفاف والتحديات البيئية.
وقد تم تنفيذ هذا المشروع بدعم مالي وتقني من جهات ممولة، ضمن مشروع مشاهد القيروان وتضمن إنشاء منظومة متكاملة من المواجل لتجميع مياه الأمطار من أسطح المنازل والمدارس. كأحد عناصر مواجهة التغيرات المناخية والتنمية الريفية.
وكان التصميم التقني للمشروع متقدما وعمليا، حيث تم ربط أسطح المباني بقنوات تصريف منحدرة تنقل مياه الأمطار إلى خزانات تحت الأرضية مبنية من الحجر والأسمنت الممنوع من قبل. وتم تزويد هذه القنوات بأنظمة تصفية بسيطة لإزالة الأوساخ والأوراق المتساقطة قبل دخول المياه إلى خزانات التخزين.
وقد استفادت الأسر المنتفعة بالمشروع من جمع وتخزين مياه الأمطار لاستخدامها في الأنشطة اليومية الأساسية مثل الشرب والطهي (وفق شروط صحية) والنظافة الشخصية، وكذلك في الأنشطة الزراعية الصغيرة والري في الحدائق المنزلية.
وساعدت المواجل المواطنين في تخفيف أعباء جلب المياه من العين والوادي وسد البلدية، خصوصا امام ضعف تدفق مياه عين زغدود التي يضطر الأهالي الى ورد مياهها مترجلين وجلب حاويات المياه على ظهر الدواب او تتحمل النساء مشقة جلبها على اكتافهن لمسافات طويلة في مسالك جبلية وعرة وانحدارات خطيرة.
وتجسد هذه الممارسة بوضوح مبادئ الاقتصاد الدائري، حيث يتم استقطاب المياه المتساقطة بدلا من تركها تتبخر أو تندفع دون استفادة، وإعادة استخدامها في أنشطة متعددة. وقد أدى ذلك إلى تحقيق فائدة اقتصادية مباشرة للأسر من خلال تقليل الاعتماد على المياه المشتراة من شركات نقل المياه بأسعار مرتفعة تصل الى 50 دينار للصهريج.
وأظهر المشروع أثرا اجتماعيا إيجابيا ملموسا، حيث بدأت الأسر تشعر بدرجة أعلى من الاستقلالية والأمان المائي. وقد أدى هذا إلى تعزيز الثقة بين المجتمع والسلطات المحلية، حيث رأى السكان أن مشاكلهم المائية يمكن حلها من خلال حلول عملية خصوصا في ظل تأخر انجاز مشروع ربط المنطقة عن طريق مشاريع الهندسة الريفية بسبب مشاكل في الموارد المائية اعترضت حفر بئر عميقة سنة 2019 تبين انها ضعيفة لا تكفي العمادة وانتظار انجاز ربط شبكي بدا منذ سنوات ولم يكتمل بعد مقابل صعوبات وتحديات مناخية. وساهمت بشكل كبير في تحقيق استقرار اجتماعي وتأمين الحاجيات من المياه ولو بشكل جزئي لمساعدة الاسر على الاستقرار والتوطين في ظل ما شهدته المنطقة من تنقل وهجرة ملفتة سيما للشباب والاسر المتشكلة حديثا بفعل الزواج.
وقد شجع نجاح مشروع زغدود عددا من القرى والمجتمعات الأخرى في المنطقة على محاكاة هذا النموذج وتطبيق تقنية حصاد المياه في مناطقهم، مما يدل على قابلية التعميم والنقل الفعلي للخبرة.
وتقدر القيمة الجملية لتمويل المشروع بــ 164،902 مليون دينار، تتوزع مساهمات الأطراف الممولة على الصندوق الدولي للتنمية الزراعية بنسبة 42،03 بالمائة وهبة بنسبة 1،27 بالمائة، وصندوق التأقلم مع التغيرات بنسبة 16،76 بالمائة، وميزانية الدولة بنسبة 37،56 بالمائة. فيما قدرت مساهمة الاتحاد التونسي للتضامن الاجتماعي بنسبة 0،66 بالمائة، والمستفيدين والخواص بــ 1،73 بالمائة. وتشمل منطقة التدخل، 35 عمادة ريفية موزعة على 7 معتمديات (حاجب العيون والوسلاتية و عين جلولة والسبيخة و العلاء و حفوز و الشبيكة)، من ولاية القيروان.
ويتضمن عديد المكونات المختلفة، من تركيز 420 نشاطا مدرا للدخل، تعلقت بمجالات مختلفة كالخدمات والمهن الصغرى، وتسمين الخرفان و تربية الماعز، علاوة على تربية النحل وميدان فقس البيض. كما أفضى المشروع إلى انتفاع 2202 أسرة من الماء الصالح للشرب وتهيئة 30،3 كلم من المسالك الفلاحية.
ان تسارع وتيرة التغيرات المناخية في السنوات الأخيرة يفرض على الدول والمجتمعات المحلية اتخاذ إجراءات استعجالية للتكيف مع آثارها السلبية. وتمثل تقنية حصاد المياه أحد الاستراتيجيات الفعالة للتكيف المناخي على المستوى المحلي، حيث تعزز قدرة المجتمعات على الصمود في مواجهة الجفاف والانقطاعات المتكررة للمياه.
وتتطلب سياسات التكيف المناخي أيضا الاستثمار في التعليم والتوعية الجماهيرية. فينبغي إدراج مواضيع حصاد المياه والحفاظ على الموارد المائية في المناهج التعليمية منذ المراحل الابتدائية، مما يضمن نقل المعرفة والسلوكيات المستدامة إلى الأجيال القادمة.
رغم الإمكانيات الكبيرة لتقنية حصاد المياه، إلا أن هناك عددا من التحديات التي تعترض نشرها الواسع والفعال. وعلى المستوى الاجتماعي والثقافي، قد يواجه تطبيق المشاريع مقاومة من جانب بعض السكان الذين اعتادوا على الاعتماد على المياه الموزعة من قبل الشركات الرسمية (الصوناد) او وزارة الفلاحة. وقد يكون هناك قلق من أن حصاد المياه قد لا يوفر كميات كافية، أو قد يشكك البعض في جودة المياه المجمعة.
الحفاظ على التراث المائي
تمثل تقنية حصاد المياه من خلال نظام المواجل والفسقيات حلاً واعداً وفعالاً لمجابهة أزمة الندرة المائية التي تعاني منها تونس بشكل عام ومنطقة القيروان بشكل خاص. وتجمع هذه التقنية بين الحكمة التقليدية التي طورها الأجداد على مر العصور والمعرفة العلمية المعاصرة، مما يوفر حلاً مستداماً وثقافياً متجذرا.
تمثل المواجل القديمة والفسقيات في منطقة القيروان جزءاً مهماً من الحضارة والتراث الثقافي الإنساني. وقد أصبح بعضها في حالة سيئة من الإهمال والتدهور، مما يهدد فقدانها نهائياً. ويتطلب الحفاظ على هذه الممتلكات المهمة استثمارات في ترميمها وإعادة تأهيلها، مع الحفاظ على خصائصها التاريخية والمعمارية.
يمثل الاستثمار في حصاد المياه استثماراً في المستقبل، حيث يساهم في ضمان الأمن المائي والغذائي، وفي الحفاظ على الموارد الطبيعية للأجيال القادمة، وفي بناء مجتمعات مستقرة وآمنة قادرة على التعامل مع تحديات التغيرات المناخية المتنامية. والمواجل العتيقة والفسقيات في القيروان، بما تمثله من تراث حضاري وعلمي، تبقى مصدر إلهام وشاهداً على قدرة الإنسان على التكيف والازدهار حتى في أقسى الظروف البيئية.
ان مجابهة التغيرات المناخية وتزايد الطلب على المياه يفرض علينا الانتقال من “إدارة الأزمة” إلى “إدارة الندرة” عبر توسيع تجربة حصاد المياه وتعميم تجربة “زغدود” في المناطق الريفية والجبلية الهشة.
الى جانب الحاجة الى التثقيف المائة من خلال إعادة الاعتبار للمواجل والفسقيات كجزء من المعرفة المحلية وتدريب الأجيال على صيانتها ونشر ثقافة محافظة على الماء. اذ ان قطرة الماء التي يتم حصادها من سطح منزل في القيروان ليست مجرد وسيلة للشرب، بل هي صمام أمان يمنع تفكك الأسرة الريفية ويحمي المجتمع من تبعات الهجرة والفقر المائي.



