بقلم مريم بن عيسى
5 مليون طن هو حجم النفايات الصلبة او المنزلية التي يفرزها التونسيون سنويا أي ما يقارب 0،7 غ للفرد الواحد وفق الوكالة الوطنية للتصرف في النفايات و ازداد معدل الفرد الواحد من هذه الافرازات الى 3 كلغ .
أرقام تشير الى مدى تفاقم أزمة النفايات في تونس و عمق هذه الظاهرة خاصة بعد ثورة 2011 جراء حالة الفوضى و التسيب التي شهدتها البلاد و هو ما أثر في الوضع البيئي والصحي. فاجتاحت أكوام النفايات شوارع و أحياء المدن التونسية وأرقت روائحها الكريهة المواطنين.
وضع مفزع يستدعي حتمية التساؤل عن أسباب تفشي هذه الظاهرة فهل أنه تقصير من قبل الهياكل المختصة أم انه ضعف حس المواطنة لدى التونسيين ؟ و هل من حلول للحد من هذه الأزمة و دور الجمعيات فيها؟
“مدرسة النظافة” مؤسسة أعلن وزير البئية و الشؤون المحلية رياض المؤخر في أكتوبر الماضي عن إحداثها لتكوين الأعوان و المسؤولين و الإطارات بمختلف البلديات في مجال النظافة و العناية بالبيئة و تحسين مردود العمل البلدي للقضاء على معضلة النفايات و معالجة هذه الأزمة .
-الهياكل المختصة في النفايات الصلبة لها قسط كبير في الوضع الراهن:
ان الجوانب الهيكلية للتصرف في النفايات الصلبة لها قسط كبير في الوضع الراهن حيث ان البلديات تجمع و تنقل النفايات إلى المصبات المراقبة و تتولى فيما بعد وكالة التصرف في النفايات معالجتها و الاشراف على هذه العملية و استغلال المصبات علما و ان تونس تضم حوالي 22 مصبا مراقب من قبل الوكالة و أكبر مصب هو مصب برج شاكير في المرناقية.
و يأكد مهندس مختص بإحدى بلديات الضاحية الجنوبية بالعاصمة أن من بين الاسباب التي لها تأثير في تعميق إشكالية تكدس النفايات في البلاد هو تعدد الهياكل التي تعنى بالنفايات انطلاقا من البلديات التي تجمع النفايات من امام المنازل ثم تنقلها الى مراكز التجميع حيث تتولى هناك وكالة التصرف في النفايات نقلها الى المصبات المراقبة لمعالجتها. كما يمكن للخواص التدخل في إستغلال هذه المصبات بتكليف من الدولة . وتعدد هذه الاطراف المتدخلة خلق صعوبة في التنسيق و التنظيم في ما بينها الى أن فقدت عملية التصرف في النفايات جدوها وما نراه في الشوارع هو نتيجة لذلك .
و تشير معطيات وزارة البيئة ان البلديات تقوم برفع 80% من النفايات الصلبة المنزلية و 5 % منها فقط يتم رسكلتها و الباقي يتم ردمه و تكلف هذه العملية الدولة 24 دينار للطن الواحد.
و تقول المواطنة “كلثوم حمايدي” <<ان المواطن يقوم بواجبه المالي في دفع الضرائب لكن في المقابل لا يتلقى أي خدمة بل بالعكس يغرق بين اكوام النفايات >>
فتدني مستوى الخدمات البلدية في رفع الفضلات هو من أبرز الممارسات التي أرقت المواطنين لأن ذلك يعود الى ضعف الموارد المالية لهذا الهيكل لعزوف أغلب المواطنين دفع الواجب الضريبي اضافة الى تدهور التجهيزات منها الشاحنات التي تحتاج للتجديد اوعلى الاقل للصيانة و محدودية فرق عمال النظافة ذلك ان اعدادهم لا تتجاوز 15الف عون بعد الثورة.
في ما حمل المواطن “محمد وجدي النجار ” سلطات الإشراف المعنية بمسألة النفايات و الهياكل المختصة مسؤولية تأزم الوضع البيئي وتدهور مستوى النظافة في البلاد بتفاقم أكداس القمامة التى ملأت الأحياء و الشوارع مشيرا الى تدني خدمة البلديات التي لا تقوم بدورها في رفع الفضلات بشكل منظم مما أفضى إلى حالة مزرية لا تطاق.
تبرز الوكالة الوطنية للتصرف في النفايات ان دور الوكالة واضح و يكمن في السهرعلى انجاز الدراسات الفنية و الاستراتيجيات للتصرف في النفايات و تأطير البلديات على المستوى الفني و استغلال المصبات المراقبة. في ما يبقى المشكل الجوهري الذي أزم الوضع البيئي في البلاد هو عدم الزجر و ضعف هياكل المراقبة وعدم التوعية الكافية و التحسيس بأهمية المحافظة على الصحة و البيئة من مخاطر التلوث الناتج عن النفايات . إضافة إلى ضعف موارد و امكانيات البلديات لمجابهة الضغط المتزايد لكميات النفايات، مع واجب الحرص خاصة على اعلاء كلمة القانون بالردع و فرض عقوبات و فق ما تقتضيه النصوص و التراتيب المحمول بها ثالثا.
و يذكر انه في مارس 2016 صادق مجلس النواب على قانون متعلق بمخالفة تراتيب حفظ الصحة و النظافة العامة تصل العقوبات فيه الى 1000 دينار لكل من يخالف تراتيب حفظ الصحة و النظافة في الطريق العام ويقوم الالقاء العشوائي للفضلات.
فيما صدر أمر حكومي عدد 433 في أفريل الماضي يتعلق بضبط الخطايا والمخالفات المتعلقة بتراتيب حفظ الصحة والنظافة العامة بالمناطق الراجعة للجماعات المحلية بأمر من رئيس الحكومة بعد اقتراح من وزير الشؤون المحلية والبيئة.
وتم في جوان الماضي الإعلان عن إطلاق جهاز الشرطة البيئية يتمثّل دوره في ردع كلّ مخالفي تراتيب الصحّة والنظافة العامّة، والتوعية والتحسيس بالآليات اللازمة للحدّ من ظاهرة التلوّث وانتشار الفضلات في مختلف البلديات.
– غياب حس المواطنة في مجال النظافة لدى التونسيين:
ابرز الباحث في علم الاجتماع “طارق بلحاج محمد” ان المسألة البيئية ومسألة النظافة تعتبر جزء من صورة تونس الحديثة في الداخل والخارج، لكن هذه الصورة تغيرت بعد الثورة ويمكن فهم هذه الظاهرة بإرجاعها إلى سياقها التاريخي والاجتماعي والثقافي وحين يغيب وازع المواطنة يأتي القانون الزجري ليعيد الأمور إلى نصابها.
و أضاف بلحاج محمد ان النظافة كانت مسؤولية الدولة بامتياز باعتبارها جزء من صورة تونس وباعتبارها عنوانا للتحضر، أما اليوم فيعتبر أن ادارة الشأن العام لا تعير للبيئة الاهتمام الكافي. بالمقابل ما يعانيه التونسي من ضعف بإحساس المواطنة في معيشه اليومي بشكل جعله يعمق هذه الأزمة البيئية، فعوض أن يساهم المواطن بشكل راقي وطوعي لتجاوز الفراغ الذي أحدثته الإضرابات المتتالية لأعوان النظافة مباشرة بعد الثورة نراه يساهم بدوره في تدهور الوضع البيئي من خلال سلوكياته وممارساته اليومية إلى درجة تنذر بكارثة صحية وعودة بعض الأوبئة والأمراض التي تخلصت منها تونس منذ عقود.
ويوضح بلحاج محمد انه لا يمكن التعميم بصفة مطلقة ولكن يمكن القول تجاوزا أن ما يصطلح على تسميته بـ”حس المواطنة” كاد يكون غائبا أو ضعيفا في مجال النظافة لدى التونسيين وخاصة في الفضاء العام ذلك دون نكران تفاوت حضوره من شخص إلى آخر ومن جيل إلى آخر ومن جهة إلى أخرى .
فإشكاليات النفايات المنزلية في تونس تفاقمت و ازدادت حدة الأزمة بسبب تجاهل المواطن للقوانين و الضوابط المعمول بها في ما يخص مواقيت وضع الحاويات امام منازلهم وفق التوقيت البلدي و كذلك رمي الفضلات في اي مكان للتخلص منها حتى و لو كان امام منازل الاجوار مع وجوب الرفع من الحس المدني لدى التونسيين خاصة لدى الشباب و الناشئة.
كما أن رفض بعض المواطنين لتركيز المصبات المراقبة قربهم جعل المنظومة كلها في مأزق لمخرج مريح مما يزيد صعوبة التعاطي مع هذا الموضوع من جانب البلديات التي تشكو بنفسها من قلة الموارد المالية، حيث أن المواطن لا يملك حس المسؤولية و لا يدفع معاليم مايسمى “الزبلة و الخروبة” ولا يقوم بواجبه في هذا الباب فيبقى حبل التجاذبات بين المواطن من جهة و البلدية من جهة اخرى و في نفس الوقت تبقى البيئة و صحة المواطن أكبر ضحايا هذا التجاذب.
و يقول محمد بلحاج في هذا الصدد” ما يعزز غياب الحس المدني و الالتزام بالمواطنة يبرره وجود إرث ثقافي ونفسي واجتماعي مضاد لثقافة النظافة ويمجد قيم الأنانية والفردانية على حساب قيمة النظافة التي تعتبر في الأصل مؤشرا من مؤشرات تقدم الشعوب وتنميتها فلو أردنا توصيف علاقة التونسي بالنظافة لقلنا أنها ملتبسة ومهتزة ورخوة وفضفاضة وحاملة لخميرة التوتر والتواكل وضعف الاهتمام “.
-الحلول الفنية موجودة و قابلة للتتفيذ:
واعتبر الخبير الدولي في البيئة نورالدين بن عيسى ان موضوع النفايات الصلبة في تونس مسألة قديمة لكنها متجددة عبر التلوث الناجم من رمي الفضلات في كل ركن من المدينة و حتى الأرياف فهو حصيلة انفلات بيئي شامل.
واقترح بن عيسى جملة من الحلول الفنية الموجودة واعتبرها قابلة للتتفيذ من بينها تثمين النفايات لإستخراج الطاقة و السماد العضوي و كذلك رسكلة و تدوير بعض الموارد الأخرى مثل الورق و البلاستيك و البلور والحديد بعد إجراء عمليات فرز إنتقائي من المصدر بما أن الفضلات تحتوي على نسبة %70 من المواد العضوية القابلة للرسكلة و يمكن دمج كل هذا في ما يسمى “بالإقتصاد الدائري” الذي يكمل نفسه بمعنى النفايات بعد رسكلتها تصبح مواد جديد تستهلك ثم يعيد رسكلتها من جديد و هكذا دوليك و زيادة عن المزايا الصحية و البيئية لهذه العملية فإنها تساعد على خلق مواطن شغل جديدة.
و يأكد الخبير على ضرورة التركيز على مستوى البحث العلمي للتعمق في هذا المجال الحيوي و الهام إضافة إلى التخفيف من استهلاك البلاستيك و المواد التي لا تتحلل في الطبيعة بأخرى ورقية مثلا أو من جذوع الأشجار وسعف النخيل مع الحرص على التوعيىة الإجتماعة وتنمية الحس المدني تجاه هذه المسألة.
و للمجتمع المدني من جهة أخرى دور للحد من توسع هذه الأزمة و تزايدها، فالمنسق لشبكة الجمعيات البيئية في تونس “سليمان بن يوسف” يؤكد على مساهمة الجمعيات البيئية المتنوعة من التحسيس بمشاكل النفايات وصولا لتنفيذ مشاريع لجمع الفضلات و يشمل دورها القيام بأعمال و أنشطة بيئية ميدانية مع المواطن لمعالجة هذا الإشكال و التقليل من تكدس النفايات.
و ذكر بن يوسف عديد الأمثلة التى تدل على دور المجتمع المدني في حل هذه الأزمة و تحسين الوضع البيئى و مستوى النظافة في البلاد كجمعية “تونس للرسكلة” في الضاحية الشمالية للعاصمة فهى تنسق مع 1300مسلك من “حلق الوادي” “للمرسى” و توزع عليهم حاويات لتجميع انتقائي للنفايات مع التواصل عبر موقع واب وخط هاتفي حيث تقوم العائلات بالاشارة لامتلاء الحاويات لتقوم شاحنة بالتحول وتفريغها وتقوم الجمعية يوما في الشهر بيوم تطوعي يشارك في ه المتطوعون لمواصلة فر الفضلات غير المفروزة بمقر الجمعية “بالبحر الازرق”. وجمعية “البيئة” بقليبية كذلك ركزت منظومة لجمع انتقائي للفضلات من المنازل كما بعثت مركزا لتجميع الفضلات، وقامت بحملات لتحويل النقاط السوداء لتناثر الفضلات لمساحات خضراء أما “جمعية من أجل تونس نظيفة” بمنوبة قامت بالتعاقد مع جامعة منوبة لرسكلة النفايات وتجميع الفضلات الورقية ووزعت حاويات كرتونية .
وأوضح بن يوسف أنه في بعض الحالات توجد جمعيات قامت بعمليات احتجاجية واستقصائية منها “س و س بيئة” التي تتابع المشاريع والبرامج المتصلة بالنفايات وإدارتها وتتولى التحري والاتصال بالعاملين في فرز النفايات ومتساكني محيط المصبات وتقوم بتنظيم لقاءات تحسيسية بدعم من مؤسسات دولية للتعريف بالثغرات والاشكالات الملحوظة في حين تقوم جمعية “رسكلني” بتعزيز نشاط العائلات في تجميع الفضلات والإحاطة بهم ، والتعاون مع البلديات في تركيز مئات الحاويات الخاصة باستعادة الفضلات خاصة البلاستيكية.
لا شك أن تفاقم التلوث بالنفايات المنزلية في تونس يعتبر من أكثر الظواهر التي صارت منتشرة في السنوات الأخيرة بسبب ضعف الهياكل التنظيمية و التنسيقية و غياب مسؤولية المواطن وحسه المدني و التلكؤ في تطبيق القوانين واللوائح الخاصة بالتلوث البيئي. لكن رغم هذا الوضع و تأثيراته السلبية في اطار العيش فان النفايات يمكن ان تخلق ثروة اذا تم التصرف فيها بصفة ناجعة و مجدية.



