السياحة الايكولوجية في تونس الواقع والافاق، الواحة نموذجا

الخبير في الموارد المائية: الدكتور عيسى الحليمي

ترتبط السياحة البيئية بالسياحة الخضراء و هي واحدة من أشكال السياحة المستدامة، التي ترتكز أكثر على اكتشاف الطبيعة كالنظم الإيكولوجية، ولكن أيضا النظم الزراعية والسياحة الريفية الخ…) و كذلك البيئة الحضرية (الحدائق البيئية، المساحات الخضر الإيكولوجية ، المحميات الطبيعية الحضرية وغيرها.

وتشمل السياحة البيئية جميع الأنشطة السياحية التي تمارس في البيئة الطبيعية وهو مبدأ السياحة المستدامة التي تندرج ضمن مبادئ احترام البيئة والمساهمة في تنمية الاقتصاد المحلي. إلى جانب السياحة الخضراء، تركز السياحة البيئية بشكل أكبر على اكتشاف البيئة.

وقد ظهر مصطلح السياحة البيئية منذ مطلع ثمانينيات القرن الماضي، وهو مصطلح حديث نسبياًحيث جاء ليعبّر عن نوع جديد من النشاط السياحي الصديق للبيئة، الذي يمارسه الإنسان، محافظاً على الميراث الطبيعي والحضاري للبيئة التي يعيش فيها، ويمارس فيها نشاطه وحياته، وهو في هذه الممارسة ليس له الحرية المطلقة، بل هو مسئول ايضا على ما يفعله فهو اذا يعيش في إطار المعادلة

وقد ساهمت الجمعية الدولية للسياحة البيئية (The International Ecotourism Society : TIES) في وضع المبادئ الأساسية التي ترتكز عليها وهي:

  • التقليل من الآثار المادية والاجتماعية والسلوكية والنفسية للسياحة على البيئة وكل ما يرتبط بها.
  • المشاركة في الوعي بالقضايا الثقافية والبيئية للموقع الذي تمت زيارته.
  • تقديم تجارب إيجابية للزائر وللسكان المضيفين.
  • توفير التمويل المباشر اللازم للحفاظ على البيئة.
  • توليد فوائد اقتصادية للسكان المحليين.
  • تشريك الزائر واطلاعه على القضايا السياسية والاجتماعية والبيئية للبلدان التي تمت زيارتها.
  • بلورة تصورات جديدة لمعدات استعمال ذات التأثير الاجتماعي والبيئي المنخفض.

الاعتراف بالحقوق والمعتقدات الدينية للمجتمعات المحلية والعمل معهم بشكل تعاوني لتعزيز عوامل تاصيلهم في محيطهم.

فبعد ظهور هذا المصطلح “السياحة البيئية” في السبعينيات، فتم تحديثه وربطه بمفهوم التنمية المستدامة في عام 1992 على أنها “شكل من أشكال السفر المسؤول في الفضاء الطبيعي امن اجل المساهمة في حماية البيئة ورفاهية السكان المحليين. ”

الا ان السياحة الايكولوجية لا يخلو من بعض الاشكاليات كالتدفق الهائل للسياح إلى الأماكن الطبيعية التي تستنفد أحيانًا النظم البيئية التي يفترض أن تحميها.

اما في تونس، فقد قامت وزارة الشؤون المحلية والبيئة سنة 2009، بدراسة استشرافية حول تنمية قطاع السياحة الايكولوجية وذلك لضبط الخطوط الاستراتيجية الكبرى لتنمية هذا القطاع. وقد افضت هذه الدراسة امكانية ان يتبوأ هذا القطاع مكانة هامة ضمن النسيج الاقتصادي الوطني باعتبار المخزون العائم للبلاد من المقومات الاساسية لنجاحه.

ومن اهم العوامل التي يمكنها انجاح هذا القطاع هى الواحة بالجنوب التونسي.

فالواحة، هذا المشهد المنفرد، يرتبط ارتباطا وثيقا بعمل الانسان الذي من خلال الاستخدام الحكيم للمياه والارض اوجد نظاما بيئيا يعود تاريخه الي قرون من الزمن ساهمت في ظهور مساحات كبيرة نسبيا من النباتات في مناطق قاحلة والتي كانت العنصر الاساسي في تثبيت السكان في محيطها. كما أنها ملجأ للحيوانات الغنية بالثدييات الصغيرة والزواحف، الرخويات والحشرات، والحيوانات المرتبطة بها، والمعروفة حتى الآن، لتكون ملجئ لمعظم الطيور المهاجرة شتاءا عبر الصحراء وذات الاهتمام الدولي. بالإضافة إلى قرب البحر، واحات قابس مثلا لتشكل المناخ المحلي الملائم مع المناظر الطبيعية استثنائية.

فالواحة هي ذلك المكان الذي يتميز بوجود شجر النخيل، والذي يمثل عنصر استقرار اجتماعي يتم من خلالها تنظيم صيرورة النظام البيئي بأكمله.

لقد ظهر في السنوات الأخيرة اتجاه يرتكز على لتنمية السياحة المجتمعية أو السياحة البيئية في المناطق الواحية. هذا الاتجاه يرتكز على الاستجابةً للطلب الداخلي والخارجي وقد أطلق بعض السكان مشاريع مبتكرة من خلال إعادة تأهيل المنازل في المدينة القديمة لوضعهم في خدمة السياحة المحترمة للبيئة ولعادات وقيم المجتمعات الواحية المضيفة. وقد جعلت هذه المبادرة ظهور مشاريع اخرى من أجل تجنب الوقوع في الرداءة، فقد حان الوقت لتنظيم وتاهيل هذا النوع من السياحة التي يمكن أن تحقق مكاسب للمنطقة وللنشاط الاقتصادي المحلي.

وذلك بتحسين النى التحتية لضمان النظافة النوعية للخدمات في السكن الأساسي للجميع في هذه المنطقة الجذابة من الجنوب التونسي المتاخم للصحراء.

 

على الرغم من أن قياس الفوائد الاقتصادية الناتجة عن السياحة في الواحات لا يزال بعيد المنال، نظرا لتعقيد الخدمات السياحيةو. لفهم المساهمة الاقتصادية لهذا النشاط يمكننا أن نميز بين العديد من الأنشطة، مثل التوظيف المباشر، والسكن، والنقل المقدر للسائح لزيارة الواحة. تنثل هذه الخدمات مصدرا هاما لدخل للسكان، وأصحاب المطاعم والنقل والاسواق التي يتمركز أساسا في مراكز الواحة. يجب ألا نغفل على مسألة الأثر الاقتصادي الحقيقي للسياحة البيئية على السكان المحليين من هذه الواحات. وبالإضافة إلى ذلك، يتم تسويق المنتج السياحي الواحي تحت دائرة تضم كل القطاعات الاقتصادية المنتجة والخدماتية بالجنوب التونسي (الواحات الجبلية والصحراوية) ، وهذا هو ما يقوي طبيعة السياحة الواحية وتأثيرها على التنمية المحلية.

 

وفي بعض الأحيان هناك عوامل خارجية مثل وكالات الاسفار ومنظمي الرحلات السياحية تساهم في ترك هامشا صغيرا للربح للسكان المحليين. عموما، فإن التداعيات الاقتصادية للسياحة الواحية، يمكن ان تكون عنصر ثراء محليا، ولا يقتصر على نخبة من التجار وشركات السياحة، الذي يشكل خطرا في حد ذاته بالنسبة لمستقبل هذا القطاع.

وقد يساهم في قضية إدارة المياه بالجنوب الذي يعاني من شح المياه بسبب الجفاف والاستغلال المفرط للمياه الجوفية وذلك لتلبية احتياجات مياه الري والسائح الذي يعيش في الفنادق ويستهلك ثلاثة أضعاف كمية المياه يوميا مقارنة بالسكان المحليين حيث يستهلك ما بين 300 و 850 لترا من المياه يوميا خلال فصل الصيف.

 

الواحات التونسية التي يعود تاريخها الى الا السنين، حيث ذكرت في كتابات الرحالة الرومان مثل Herodote والعرب مثل التيجاني، حيث كانت تمثل هذه الواحات مركز استراحة للتجار والحجاج القاصدين الاماكن المقدسة، باعتبارها تتواجد في المناطق الداخلية الجنوبية بما في ذلك الواحات الساحلية الوحيدة بأفريقيا أصبحت الان أكثر فأكثر وجهة جذب للعديد من السياح ، واصبحت كمكمل للسياحة السواحل والمدن الكبرى. ومازالت وستضل الواحات بثرواتها الطبيعية والثقافية تساهم في جذب المستثمرين المحليين والأجانب في مجال السياحة. بحثا عن التميز ومسايرة للطلب المتزايد عن هذا النوع من السياحة الصديقة للبيئة الباحث على المساحات الخضراء والاتصال بثقافات مختلفة قصد التضامن مع السكان المحليين.

وبالتالي، لا بد من توجيه الإمكانات المادية والبشرية للواحات و النظر إلى السياحة الايكولوجية كأداة للتطور الاقتصادي والاجتماعي وتنمية مستدامة.

ونحن نتساءل ما إذا كان يمكن للسياحة البيئية ان تكون فرصة لتنشيط هذه الواحات وتنميتها بشكل مستدام؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *