المجتمع المدني ونواب الشعب والمسؤولين يناقشون قضايا العدالة البيئية والمناخية
متابعة: الباحث في علم الاجتماع ناجح الزغدودي
تحت شعار “من أجل تحقيق العدالة البيئية والمناخية”، اختتم المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية (فرع القيروان) مساء السبت 27 ديسمبر أشغال ملتقاه الجهوي الخامس، الذي امتد على يومين ويتضمن جملة من الأنشطة والفعاليات تراوحت بين معرض الصور والرسوم التشكيلية بتأثيث من أساتذة ومعهد الفنون والحرف بالقيروان ومناظرة قانونية حول الحقوق البيئية والمناخية بمشاركة مكونين وطلبة القانون في اليوم الأول.

كما شهد مشاركة واسعة لخبراء، ونواب شعب، وممثلي المجتمع المدني وممثلين عن عدد من الإدارات الجهوية ذات العلاقة ونشطاء وفلاحين وشبان، لمناقشة التحديات البيئية والمناخية التي تواجهها الولاية وتأثيراتها العميقة على النسيج المجتمعي ومستقبل العدالة البيئية في ظل التغيرات المناخية التي تعيشها البلاد
افتتح الملتقى بتقديم الورقة السياسية التي تضمنت الأهداف وموجهات المحاور والقضايا البيئية وتقديم لمحة عن أنشطة ومجالات تدخل قسم العدالة البيئية للمنتدى من خلال الباحثة رحاب المبروكي وتضمن جملة من التقارير والأبحاث البيئية وبيانات عن حملات المناصرة القانونية والقضايا التي تم نشرها ضد الملوثين واصدر القضاء احكاما بشأنها لصلاح المواطنين لضمان حقوقهم البيئية والاقتصادية على غرار غلق مصب المرجين بالشوايحية بالقيروان والزام بلدية الشبيكة برفع الفضلات فيما يعرف بالنفايات الإيطالية.
واختتم بتكريم عدد من الفاعلين والمساهمين في الملتقى والتأكيد على أهمية مواصلة مثل هذه النقاشات والفعاليات نظرا لاهميتها في حلحلة القضايا البيئية التي تعاني منها الجهة والتطرق الى ملفات اضافية .
صرخة ضد التلوث: “أسمنت الرويسات” مرة اخرى
تصدرت قضية تلوث منطقة الرويسات بسبب مصنع الأسمنت نقاشات الملتقى، حيث وُصف الوضع بـ “البؤرة البيئية الحارقة“. وفي خطوة تصعيدية، أعلن المشاركون عن التوصية بـ رفع دعوى قضائية ضد المصنع، مع المطالبة بتعيين خبراء مختصين لتقييم حجم الأضرار البيئية والصحية الناجمة عن نشاطه. كما دعا الحضور الدولة إلى استعادة دورها الرقابي الصارم وتعزيز المسؤولية المجتمعية للمؤسسات الصناعية.
كما تم الاتفاق على تنظيم يوم حراك جهوي من اجل دعوة الجهات الرسمية والمعنية الى التدخل للحد من التلوث المنبعث من المصنع ووقف تأثيراته البيئية والصحية.
هشاشة اجتماعية وفراغ قانوني
تطرق الملتقى في جلساته العلمية إلى “الأبعاد الاجتماعية للتغيرات المناخية”، حيث استعرض الباحث ناجح الزغدودي تأثير الأزمات البيئية على الفئات الأكثر هشاشة اثر غلق سد نبهانة والتداعيات البيئية والاجتماعية والاقتصادية على أهالي المنطقة.
الدراسة ركزت كذلك على أوضاع النساء والأطفال، حيث تحوّل عدد من الفلاحين من منتجين إلى طالبي شغل أو مساعدات اجتماعية، فيما فقد العديد من العملة مواطن شغلهم واضطروا إلى التنقل نحو مناطق أخرى في ظروف نقل غير آمنة، ما عمّق من معاناتهم اليومية.
ويهدف تقديم هذه الدراسة أمام نواب الشعب والإعلاميين ومكونات المجتمع المدني إلى دفع صناع القرار إلى أخذ تأثير التغيرات المناخية على أبناء الجهة بعين الاعتبار عند صياغة السياسات العامة، إلى جانب نشر الوعي والتحسيس بمخاطر هذه التغيرات وسبل التأقلم معها ضمن المسؤوليات المجتمعية للإعلام وكافة المكونات المدنية.
وفي سياق متصل، كشفت المداخلات القانونية عن “فراغ تشريعي دولي” فيما يخص حماية “اللاجئين والنازحين البيئيين”، او ما يعرف بالمتنقل البيئي الذين يضطرون لترك أراضيهم بسبب الجفاف أو التلوث، وسط غياب آليات قانونية ملزمة تضمن حقوقهم. من خلال دراسة قدمتها صحفية وناشطة بموقع “بلو تن” المهتم بالصحافة البيئية.
دور الإعلام والمسار القادم
لم يغب الدور الإعلامي عن الملتقى، حيث تمت الدعوة إلى تكثيف التغطية المتخصصة في الشأن البيئي وتجاوز “التغطية المناسباتية”، مع التركيز على نشر الثقافة البيئية عبر وسائل التواصل الاجتماعي للوصول إلى قاعدة جماهيرية أوسع
حيث تطرقت الصحفية منيرة رابعي في مداخلة لها الى إشكالية دور الاعلام المتخصص في التعاطي مع القضايا البيئية والحيز الإعلامي المخصصة لهذه القضايا من خلال التوعية والتحسيس. ودعت الى استعادة معهد الصحافة للتكوين الاكاديمي المتخصص للاتصال البيئي.
تفاعل ونقاش
ممثلو المجتمع المدني من هيئة المحامين والاتحاد الجهوي للشغل والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الانسان ومركز الديمقراطية ونشطاء وفاعلين اجتماعيين وبيئيين مستقلين ورسميين، الى جانب عدد من نواب الشعب عن جهة القيروان، قدموا اراء وتفاعلات بشان القضايا البيئية المتداولة سواء التي تخص مياه الشرب وشبكات التطهير والبنية التحتية والإنتاج الزراعي والطاقي والتلوث البيئي الهوائي لعدد من المصانع الملوثة مثل مصنع الاسمنت ومصنع الورق ومصبات المرجين وفواضل البناء والفواضل المنزلية.
السيادة الغذائية والطاقية: نحو فك الارتباط
من جهة ثانية خلصت ورشات العمل المسائية إلى رؤية استراتيجية ترتكز على “السيادة الوطنية”، حيث أكد المشاركون على ضرورة:
- استعادة السيادة على وسائل الإنتاج: من بذور، وأرض، ومياه، لدعم صغار الفلاحين وتحقيق الاكتفاء الذاتي.
- فك التبعية الطاقية: عبر الاستثمار الجدي في الطاقات المتجددة، خاصة في مناطق الجنوب التونسي، وإدراج الطاقات البديلة في المنظومة الصناعية.
- مراجعة التبادلات التجارية: بناء علاقات توازن بين الدولة والشركاء الغربيين تضمن حماية الثروات المحلية.
واختتمت الاستاذة ماجدة مستور، المنسقة الجهوية للمنتدى بالقيروان، الملتقى بالتأكيد على أن هذا النشاط ليس مجرد لقاء أكاديمي، بل هو نقطة انطلاق لتحركات ميدانية وقانونية تهدف إلى انتزاع “الحق في بيئة سليمة” كجزء لا يتجزأ من الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للتونسيين.
وأكّدت أن الملتقى الجهوي للعدالة البيئية والمناخية بالقيروان يهدف إلى تعزيز الوعي الجماعي بالتحديات البيئية والمناخية، وفتح فضاء للحوار بين مكونات المجتمع المدني والفاعلين المحليين من أجل بلورة حلول عادلة ومستدامة، خاصة في الجهات الأكثر تضررا من التغيرات المناخية.
وأشارت الى ان سيتم متابعة مخرجات الملتقى تبعا للتوصيات مشددة على أهمية العمل المشترك بين الفعاليات الاجتماعية والمدنية والحقوقية لمناصرة القضايا البيئية والعمل على تحقيق العدالة البيئية والمناخية والدفع نحو ادراجها ضمن السياسات البيئية المستقبلية.


