ناجح الزغدودي، باحث في علم الاجتماع البيئي (جامعة صفاقس)
تواجه تونس إشكالية معقدة وحقيقية تتعلق بالتعامل مع التغيرات المناخية والكوارث الطبيعية المتكررة، خاصة بعد الفيضانات الكارثية الحالية التي شهدتها البلاد بداية من 19جانفي 2026 واستمرت لأكثر من يومين والتي كشفت عن نقاط ضعف هيكلية في استراتيجيات التعامل مع الازمة والآليات المتاحة للتدخل والتخطيط المسبق لهذه المخاطر.
بينما سجل ارتباك في الاتصال العمومي حول الازمة لما يعرف بالاتصال البيئي وارتبك الاعلام في رسالته المجتمعية وغلب على اجندته نقل اخبار الطقس والتساقطات والتدخلات للإنقاذ والاحصائيات الكمية حول كميات الامطار وعدد الضحايا على القصص الإنسانية والتجارب البشرية في التعامل مع هذه التقلبات المناخية وتجارب المواجهة والصمود.
في هذه الورقة التحليلية نناقش جدلية التعامل مع الظواهر المناخية المتمثلة في التقلبات في الطقس وما شهدته البلاد التونسية من فيضانات وما يمكن تسميته بكارثة بيئية جراء إعصار قدم إنذارات سابقة في أوروبا لكن صداه بلغ متأخرا الى البلاد التونسية لأسباب هيكلية متعلقة بالاستراتيجيات والتخطيط ومفهوم المواجهة والصمود من قبل ما يسمى لجنة مجابهة الكوارث وتنظيم النجدة.
كانت البلاد التونسية خلال الايام الماضية بين ( 18و20 جانفي 2026) عرضة لتقلبات جوية متطرفة تمثلت في تهاطل كميات كبيرة من الامطار بشكل متواصل بالتوازي مع عاصفة بحرية طالت مختلف السواحل الشرقية.
وبلغت الحصيلة المائية في بعض الجهات مثل ولاية نابل وبن عروس
بالمعدل السنوي وتوصف في جهات أخرى بانها غير مسبوقة منذ نصف قرن حيث تجاوزت في بعض المناطق 250 ملم في ظرف وجيز، وهي كمية تفوق قدرة أي نظام تصريف طبيعي أو صناعي.
الحصيلة المطرية وفق تحليل للمهندس والخبير المناخي حمدي حشاد :
في سيدي بوسعيد، تراكم حوالي 400 مم في 72 ساعة، في حين إنّ المعدل السنوي لتونس الكبرى يدور في حدود 500 مم. هذا يعني إنّ المنطقة عاشت قرابة 80% من أمطار عام كامل في 3 أيّام، وهو رقم ثقيل جدًا على أي مدينة ساحلية وبنية تصريف حضرية.
في منزل بوزلفة (ولاية نابل)، الكمية بلغت 335 مم، والمعدل السنوي للجهة يقارب 480 مم عمليًا، هذا يعادل حوالي 70% من أمطار سنة كاملة في أقل من أسبوع، وهو ما يفسّر الفيضانات السريعة وتشبع التربة وتعطّل الأودية.
في فندق الجديد (ولاية نابل) تسجّل 396 مم في 36 ساعة فقط , مقارنة بالمعدل السنوي التقريبي لولاية نابل، الي يقدر غالبًا في حدود 480 مم، فهذا يعني إنّ فندق الجديد وحدها عاشت حوالي 83% من أمطار سنة كاملة في نهار ونص. عمليًا، هذا حجم مطر يتوزّع عادة على موسم كامل، موش على 36 ساعة.
أما صيادة في المنستير، فقد سجّلت 282 مم مقابل معدل سنوي يقارب 300 مم , يعني ذلك أنّ المنطقة استقبلت نحو 94% من أمطار عام كامل في 72 ساعة فقط. مناخيًا، هذا يُصنَّف كحدث شديد الندرة، وليس مجرد موجة مطر قوية.
في حمّام الأنف، سُجّل 249 مم، أي حوالي 50% من المعدل السنوي لتونس الكبرى، بينما بلغ التراكم في حلق الوادي 236 مم، وهو ما يعادل تقريبًا 47% من أمطار سنة كاملة في ثلاثة أيام. هذه الأرقام تفسّر مباشرة مشاهد الغرق الموضعي وانسداد قنوات التصريف.
في زغوان، وصلت التساقطات إلى 212 مم، مقابل معدل سنوي يناهز 580 مم، أي حوالي 37% من المعدل السنوي. ورغم أنّ النسبة أقل من بعض المناطق الساحلية، إلا أن خطورتها أعلى بسبب الطبيعة الجبلية وسرعة الجريان السطحي.
وهذه الامطار الغزيرة والعاصفة البحرية التي وصفت بكونها ضمن نشاط هامشي لاعصار هاري الذي نشط بحوض البحر المتوسط ولم يستثن تونس.
فيما تم رفع درجات اليقظة وايقاف الدروس ب15 ولاية وإعلان توقف جملة من خدمات النقل والخدمات الجامعية وشلت الحركة بعديد المدن والمناطق والولايات ووجهت نداءات استغاثة وطلبات النجدة وتدخل فرق الإنقاذ التابعة للحماية المدنية والجهات الأمنية والمؤسسات التابعة للجان مجابهة الكوارث بعديد الجهات وسط تعزيزات من ولايات مجاورة وتدخل فرق الإنقاذ والنجدة والوحدات الأمنية والعسكرية.
هذه الامطار القياسية التي أدت لتجمع السيول وفيضان الاودية غمرت عديد الاحياء وكانت السيول جارفة عنيفة أدت في سرعة تدفقها الهيدروليكي الى جملة من الوفيات بسبب حالات الغرق لاشخاص غمرت السيول منازلهم ووجد الاف السكان انفسهم في عزلة تحاصرهم المياه مما تسبب في شلل حقيقي للحياة اليومية والانشطة الاقتصادية.
وادت سيول الامطار الى تعطيل حركة المرور وغمرت الانفاق والسكك الحديدية والطرق الرئيسية والفرعية بمدينة ولاية نابل وبن عروس والمنستير وجرفت السيارات والأشخاص وادت الى نفوق الحيوانات.
اما على السواحل فأدى تمدد العاصفة البحرية الى انهيار أجزاء من المباني والارصفة على مستوى الشواطئ والكورنيش بولايات نابل والمنستير وسوسة والمهدية وخلفت عديد الاضرار. بينما سجل غرق عدد من البحارة بسبب العواصف البحرية وسط تسجيل نجاة أحدهم اثر عميلات انقاذ وبحث بواسطة مروحية.
أمام هذه السيول الجارفة والتجمعات المائية المتدفقة التي أدت الى عزلة المواطنين والوفيات والاضرار البشرية والمادية وتعطيل حركة المرور والمرافق الحياتية والخدمات، كشفت الامطار هشاشة البنية التحتية وعدم قدرتها على تحمل كميات الامطار والسيول الجارفة.
في المقابل سجل غياب ما وصف بالإجراءات الاستباقية والاستعداد لمواسم الامطار مثل جهر مجاري الاودية وتنظيف قنوات تصريف مياه الامطار مقابل الحديث عن ضعف ما وصف بالاتصال الرسمي والانذار المبكر لتقديم بيانات وبلاغات تخص تقلبات الطقس والتقلبات المناخية بشكل مفصل يتجاوز توقعات الطقس.
كما تم الحديث عن غياب الجوانب اللوجستية والتجهيزات واليات التدخل والتنسيق ضمن اللجنة الوطنية لمجابهة الكوارث واللجان الجهوية ووضع مخطط للتدخل ووضع استراتيجيات مجابهة التغيرات المناخية. بينما انتقد رئيس الجمهورية قيس سعيد في زيارة ميدانية له بين الولايات والمناطق المتضررة غياب المسؤولين ودعا الى تحميل المسؤولية لمن تسبب في الاضرار او ارتكب مخالفة غير قانونية.
بالتوازي مع الاثار الجانبية الكبيرة والاضرار والخسائر والضحايا الي سببتها الفيضانات والاعصار، فانه وفق تصريحات مسؤولين بمندوبيات التنمية الفلاحية، ادت الامطار الغزيرة الى فيضان الاودية ومجاري المياه والسيول مكنت من تعبئة عدد من السدود بالوطن القبلي وسوسة ومكنت من تعبئة موارد مائية هامة بعد سنوات من الجفاف وتراجع الموارد المائية ومخزونات السدود.
لم تكن هذه الفيضانات (كما وصفتها صفحة رئاسة الجمهورية) هي الأولى في تونس التي تعتبر عرضة للتغيرات المناخية وحالات التطرف المناخي التي تطال النظم البيئية، ما يطرح اشكالية مدى وجود استراتيجيات متأقلمة مع التغيرات المناخية وتداعياتها والتخطيط لهذه المخاطر التي يمكن ان تطال البلاد وتلحق أضرارا كثيرة وتكون لها تداعيات اقتصادية واجتماعية على التجمعات السكنية والافراد.
مناخ تونس في السياق العالمي
وفق تقارير البنك الدولي، تصنف تونس في المركز 168 عالمياً من حيث تأثرها بالكوارث المناخية خلال الفترة الممتدة بين 1993 و2022 . هذا التصنيف يعكس درجة كبيرة من الضعف والهشاشة أمام الأخطار المناخية، خاصة وأن البلاد تقع في واحدة من أكثر المناطق الجافة في العالم.
حيث يعاني النظام المناخي التونسي من تناقض صارخ ومحفوف بالمخاطر. فبعد سبع سنوات من الجفاف الشديد الذي تفاقمت آثاره بفعل التغير المناخي، وترافق مع انخفاض حاد في مخزون السدود وتقنين المياه في عدة مناطق وحتى انقطاعها عن بعض المناطق خلال الصيف، تواجه تونس الآن فيضانات قياسية وسيول لم تشهد مثلها منذ عقود وحالة فوائض في عدد من السدود التي تم تنفيسها بعد ان شهدت حالة امتلاء قياسي (سدود نابل وزغوان ).
هذه الدورة المفرطة من التطرف المناخي، التي تنتقل من جفاف طويل إلى فيضانات مفاجئة، تكشف عن تفاقم مستمر في عدم استقرار النظام المناخي. وقد أوضحت الدراسات أن التغير المناخي يعمق هذه الدورة من الجفاف والفيضانات، مما يعمق المخاطر على عدة قطاعات مثل الزراعة وإمدادات المياه الصالحة للشرب والسلامة العامة للسكان وشبكات الصرف الصحي والنظم البيئية ومنها تاكل السواحل كما حصل في عدة شواطئ.
في تحليل علمي للتقلبات الجوية الأخيرة، كشف الخبير المناخي حمدي حشّاد أن ما شهدته تونس يمثل “نظام تقييم” حقيقي لمدى جاهزية الدولة، معتبرا أن البلاد قد نجت من كارثة أكبر لكونها كانت تقع في هامش العاصفة “هاري”، بينما واجهت دول جارة كإيطاليا وسردينيا ضغوطاً جوية أعتى بعشر مرات.
ويربط حشّاد بين عنف هذه التقلبات وبين الاحترار القياسي الذي سجله البحر الأبيض المتوسط في صيف 2025، حيث وصلت حرارة المياه إلى 31 درجة مئوية (بزيادة 7-8 درجات عن المعدل). هذه الحرارة ليست مجرد رقم عابر، بل هي “طاقة مخزنة” تحولت الآن إلى وقود للمنخفضات الجوية العنيفة. ومع بدء انحسار الموجة الحالية، تظل البلاد تحت تأثير انخفاض ملحوظ في درجات الحرارة مع بقاء بعض التساقطات في الشمال الغربي.
على المستوى الميداني، على مستوى الخسائر كانت الحصيلة ثقيلة بفقدان أرواح بشرية لمتساكنين وعدد من البحارة المفقودين (لا يزال البحث عنهم مستمرا).
يرى حشّاد بخصوص هذه الخسائر البشرية والمادية ، أن السيول كشفت “هشاشة واضحة” في المنشآت العمرانية، حيث لم تصمد الأسوار وأجزاء من “الكورنيش” في مدن كبرى مثل صفاقس والحمامات وبنزرت أمام قوة المياه. ورغم إشادته بجهود الحماية المدنية التي عملت بـ “أقصى المتاح والممكن” لوجستياً، إلا أنه أكد أن الشجاعة الميدانية لا يمكن أن تعوض غياب التصميم الهندسي المقاوم للمناخ.

الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية للكوارث المناخية
تتجاوز تأثيرات الفيضانات والتغيرات المناخية الجوانب الاقتصادية المباشرة لتشمل آثارا اجتماعية عميقة. فقد أظهرت الفيضانات الأخيرة أن الفئات الهشة والفقيرة والشرائح الوسطى الدنيا هي الأكثر تضررا ، خاصة أولئك الذين يسكنون في عشوائيات وأحياء فقيرة تفتقر إلى البنية التحتية الأساسية وشبكات التصريف والطرقات المناسبة .
كما تضررت فئات مهمة من السكان العاملين في الزراعة والصيد، بما في ذلك صغار المزارعين وصغار الصيادين الذين فقدوا قواربهم ومعدات صيدهم في العواصف البحرية . وقد أدت الفيضانات إلى فقدان مراكز اقتصادية محلية وتعطل الأنشطة الزراعية والصناعية والسياحية مما اثر على مصادر عيش المواطنين وحياتهم اليومية.
قد يبدو ان عدم تمكن مطعم جامعي (الوردية) من توفير وجبة العشاء مساء 20 جانفي، امرا طارئا عاديا ولكنه أدى الى حرمان مئات الطلبة المحتجزين في المبيتات الجامعية جراء الامطار وحرمهم من الحصول على وجبة غذائية. كما يعبر عن غياب اية اليات بديلة او إجراءات طوارئ او اسعاف مدني (جمعيات او منظمات او متطوعين) لتقديم مساعدات الايواء والاعاشة وخدمات الطوارئ الصحية والتعويض عن الخسائر او عن نفوق حيوانات او مزروعات او حتى فقدان سيارة تجرفها السيول (بعضها غير مؤمن ولا يمكن تعويضه).
الآليات والسياسات الرسمية
أقرت تونس عدداً من الإجراءات والاستراتيجيات الرسمية للتعامل مع التغير المناخي والتكيف مع آثاره. كانت تونس من أوائل الدول التي صادقت على اتفاقية الأمم المتحدة بشأن تغير المناخ سنة 1993 وبروتوكول كيوتو سنة 2002 .
وعلى صعيد التكيف والحد من المخاطر، أطلقت تونس مخططها الوطني للتكيف (NAP) الذي يهدف إلى دمج التكيف مع تغير المناخ في التخطيط الاجتماعي والاقتصادي واستخدام الأراضي على المستويات المركزية والمحلية . كما اعتمدت استراتيجية وطنية للحد من مخاطر الكوارث للفترة 2018-2030 لتصبح بمثابة خارطة طريق فعالة.
اما على الصعيد المالي والتنفيذي، خصصت تونس اعتمادات بقيمة 360 مليون دينار للبرنامج المندمج للصمود ضد الكوارث الطبيعية ، كما يتطلب تنفيذ الاستراتيجية الوطنية للحد من مخاطر الكوارث تمويلات إضافية بقيمة 550 مليون دينار .
الفجوات والتحديات في التطبيق العملي
رغم وجود هذه الاستراتيجيات المتعددة والشاملة، يواجه تطبيقها عدداً من التحديات الجوهرية. الأول يتعلق بـالانتقال من نهج استجابي يركز على مرحلة ما بعد الكارثة إلى استراتيجية شاملة متكاملة تجمع بين الحد من المخاطر وبناء المرونة والتكيف المسبق.
حيث نص الامر الحكومي عدد 159 لسنة 2023 مؤرخ في 17 فيفري 2023 بضبط طرق إعداد وتطبيق المخطط الوطني والمخططات الجهوية لتفادي الكوارث ومجابهتها وتنظيم النجدة وبتركيب وطرق سير اللجنة الوطنية الدائمة واللجان الجهوية.
هذه اللجان الوطنية والجهوية تسخر على ذمتها جميع الإمكانيات اللوجستية والاليات القانونية للتدخل وفق ما تفرضه المستجدات والحالات الطارئة وتستخدم مختلف الوسائل والمعدات المتوفرة لدى مختلف الوزارات والتي تعتبر جميعها أعضاء في لجنة تفادي الكوارث وتنظيم النجدة.
ويعد تدخل قوات الامن والحماية المدنية والقوات العسكرية واحدة من تشكيلات لجنة النجدة والمجابهة بوسائلها. وهو ما يفسر تدخل الجيش الوطني الذي أعلن عنه.
من هنا نتحدث عن “المسؤولية المنظمة” التي يتحدث عنها عالم الاجتماع الألماني اولريش بيك بخصوص المخاطر وغياب الأمان ويدعو الى ان تكون التخطيطات موجهة للمستقبل وليس مقتبسة من تجارب الماضي أي ان تكون وقائية واستباقية واستشرافية. ويقول: “إن المؤسسات القائمة والتشريعات الحالية غالباً ما تكون مصممة لمخاطر الماضي، مما يجعلها عمياء أمام كوارث المستقبل.
فالتخطيط للأزمة يتطلب إعادة تعريف قانوني وعلمي للمسؤولية.” ولأن المخاطر الحديثة (مثل التغير المناخي أو الأوبئة) لا تعترف بالحدود، فإن بيك يرى أن واجب الدولة في التخطيط يمتد إلى الخارج من خلال التنسيق الدبلوماسي والتعاون الدولي على غرار التعاون الأمني والعسكري.
البنية التحتية واللوجستيك: مواجهة بالحد الأدنى
ثاني التحديات يتعلق بـالبنية التحتية الضعيفة التي لا تستطيع امتصاص أو استيعاب الأمطار الغزيرة، خاصة وأن معظم الفيضانات تندلع في الحواضر الكبرى للشريط الشرقي ذي الكثافة السكانية العالية. وهذه الاحياء تفتقر الى شبكات تصريف المياه والتطهير الملائمة ناهيك عن الطرقات والمسالك والمرافق القابلة لاستيعاب فائض مياه الامطار لكونها تفتقر الى التخطيط الملائم للفيضانات. زبعض الطرقات ليست مرتبطة بشبكة تصريف مياه الامطار ما يحول الطريق الى وادي تجري فيه السيول.
بينما صممت قنوات تصريف مياه الأمطار في المدن الكبرى لاستيعاب تدفقات محددة توافق كميات محددة من الامطار (الخفيفة)، بينما تجاوزت التدفقات الأخيرة القدرة الاستيعابية بمراحل. كما أدى غياب الصيانة الدورية لبعض الأودية والمجاري الطبيعية إلى انسدادها بأكياس البلاستيك على وجه الخصوص التي تسد المنفذ والمجاري، مما ضاعف من حدة الفيضانات في المناطق المنخفضة.
حيث كشفت الأزمة عن “هشاشة هيكلية” حادة. فمن الناحية التقنية، أثبتت قنوات التطهير أنها غير مصممة لاستيعاب هذه الكثافة المطرية، حيث حدث “خنق هيدروليكي” أدى لتدفق المياه عكسيا نحو المنازل.
أما في قطاع النقل كشفت السيول عن غياب “خطط الطوارئ البديلة” لنقل المواطنين والطلبة. اذى أدى تراكم المياه على مستوى السكك الحديدية الى اخراج منظومة المترو والقطارات عن الخدمة تماماً دون وجود أسطول حافلات تدخل سريع مجهز للعمل في الظروف المائية الصعبة.
كما أدت الفيضانات إلى انقطاع التيار الكهربائي في عدة مناطق، مما تسبب في تعطل مضخات الصرف الآلية وزيادة تعقيد الوضع اللوجستي في المستشفيات والمرافق الحيوية وسجل غلق عدد من الصيدليات.
وكما سبق وأشرنا الى تعطل خدمة المطعم الجامعي بالوردية، تم في المقابل الإشادة بحارس مبيت جامعي جازف بنفسه وسط السيول لجلب حاجيات لفائدة عدد من الطالبات بسبب عدم القدرة على النزول لقضاء حاجياتهن. وهي تدخلات فردية لم تاتي في سياق مخطط له ولا نسيج مجتمعي او في شراكة مع الجهود المنظمة المسؤولة.
ورغم التضحيات التي قدمتها فرق الحماية المدنية، إلا أن غياب الإجراءات الاستباقية مثل جهر الأودية وصيانة مضخات الأنفاق أدى إلى تفاقم الوضع. وحسب الملاحظة والتشخيص فان اغلب المعادت الخفيفة والثقيلة أصبحت قديمة وكثيرة الاعطاب. وتعرض بعضها الى حوادث تطلب اسعافها بدورها.
ولوحظ بالتالي نقص التجهيزات النوعية مثل غياب الآليات الثقيلة المخصصة للشفط والضخ عالي التدفق في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية، مما أطال أمد بقاء المياه داخل المنازل والمرافق السكنية في الاحياء.
اعتمدت فرق الحماية المدنية بشكل كبير على الزوارق المطاطية التقليدية، بينما تطلبت بعض الحالات في نابل وبن عروس مروحيات إنقاذ أو مدرعات برمائية للوصول إلى العالقين في النقاط الخطرة والوعرة.
وقد تم تفعيل بروتوكول “الدعم المتبادل” بين الولايات، حيث تحركت أرتال لوجستية من ولايات مجاورة، لكن عوائق التنقل (غمر الأنفاق وانهيار الأرصفة) أبطأت وصول هذه التعزيزات إلى مراكز الأزمة مما اخر عمليات الإسعاف والإنقاذ. ولعل تسجيل حالات وفيات في الاحياء في ولاية المنستير (خمس حالات) احداها لعجوز ماتت غرقا وسط منزلها الذي ضمرته المياه.
كما انتقد مراقبون غياب “اللوجستيك الرقمي”، حيث لا تزال الإدارة تعتمد على طرق تقليدية في وقت تستخدم فيه دول أخرى الذكاء الاصطناعي للتنبؤ بمسارات السيول قبل وقوعها. كما سجل غياب أدوات التنسيق الرقمي بين خلايا ولجان مجابهة الكوارث الوطنية ثم الجهوية ثم المحلية خصوصا في ظل غياب المجالس البلدية بعد حلها في 2023.
كما أشارت التقارير إلى ضعف فعال لآليات الإنذار المبكر وعدم تفعيل كاف لها ، رغم وجودها على الورق.
ومن هنا تأتي ثالث التحديات المتمثلة في نقص البيانات والمعلومات والشفافية في مشاركتها مع المواطنين من قبل مؤسسات الدولة والتواصل مع وسائل الاعلام في تقديم إرشادات السلامة والتنبيهات والبيانات الحينية لتطورات الأحوال الجوية.
نقد الأداء الرسمي ودور الإعلام
اعتمدت الجهات الرسمية (الرصد الجوي والحماية المدنية) على البلاغات المتواترة عبر الإذاعات والمنصات الرقمية. تميز الخطاب الرسمي بالتحذير المباشر من “المجازفة”، ونجحت عملية الاتصال في تقليص عدد الضحايا من خلال التنبيه المبكر لإخلاء بعض النقاط الزرقاء (المناطق المهددة).
وجهت انتقادات لـ “خطابات التطمين” التي لم تتناسب مع حجم الخطر الميداني، مما جعل المواطنين يفتقرون للبيانات الدقيقة لتجنب نقاط الخطر وبدا الخطاب اشبه بالوصاية على الوعي والحق في المعرفة والحق في المعلومة والتلكؤ في استعمال عبارات مثل إعصار او فيضان او “كارثة” بيئية لضمان حالة الاستقرار وعدم الارتباك من وجهة نظرهم ولأسباب سياسية أيضا تخشى الانتقاد والدعاية المضادة.
بل ان بعض البرامج التي اتصلت بمسؤولين جهويين ومحليين قطعوا الاتصال بمجرد اتصال الإذاعة بهم (إذاعة ديوان اف ام مع معتمد أول) ما يعبر عن حالة ارتباك ومواصلة الخضوع لتعليمات رسمية مسقطة حول التصريحات الإعلامية وهو ما يشير الى غياب خطة اتصالية في ظل الازمة وتنسيق مسبق او صلاحيات إدارة الازمة محليا.
كما لوحظ غياب التنسيق المعلوماتي من خلال تشتت في البيانات بين مختلف اللجان، مما أدى إلى تأخر في توجيه طلبات النجدة وتوزيع الآليات المتاحة حسب الأولوية القصوى وتأخر وصول التعزيزات والدعم من الجهات المجاورة التي استحقت للدعم لاحقا وأصبحت تتطلب النجدة. كما سجل تأخرا في تدخل قوات الجيش الوطني والمروحيات وفق ما لاحظه مواطنون وفاعلون.
وفي هذا السياق عبر الخبير في المناخ حمدي حشاد عن رفضه ما وصفه “خطاب التطمين” الزائد انتقد سلوك بعض المسؤولين الذين يبالغون في تطمين الناس، معتبرا أن “الجو والمناخ لا سلطة لأحد عليهما”، وأن الأهم هو التوعية بالخطر للاستعداد له وليس المبالغة في الهدوء الكاذب.
من جانبه، لعب الإعلام دورا محوريا في نقل نداءات الاستغاثة، إلا أنه سقط أحيانا في فخ التهويل بخصوص “الإعصار القادم”، مما يبرز الحاجة إلى إعلام متخصص في إدارة الأزمات المناخية يعتمد على الحقائق العلمية لا الإثارة والحاجة الى ان يتم تفسير الظواهر المناخية بشكل علمي سلس وعقلاني بعيدا عن الاثارة والبوز كما اعتاد في الحالات العادية الاعتماد على “الترند”.
كما لعب الإعلام دورا مزدوجا فقد ساهمت التغطية الميدانية في توجيه السلطات نحو المناطق المعزولة عبر “صحافة المواطن” والنقل الحي. ومع ذلك، لوحظ تباين في التحليلات العلمية، حيث جنح بعضها نحو التهويل بخصوص “الإعصار القادم”، وهو ما استدعى تدخل الخبراء لتصحيح المفاهيم العلمية وضمان استقاء المعلومات من المصادر الرسمية فقط.
في المقابل نشط الاعلام غير الرسمي عبر شبكات التواصل الاجتماعي مستغلا حالة الفارغ الإعلامي الرسمي ونشطت بعض اعمال التضليل والتزييف من خلال تزييف صور ومشاهد مثل صورة تعبر عن وفاة العجوز في المكنين ومشهد تمساح وسط برك المياه ومقاطع عاطفية لإنقاذ قطة مع أولادها بحثا عن الاثارة وجذب المتابعين لتحقيق غايات ربحية ما يمثل جنوحا نحو الفبركة والتزييف سواء عن قصد او من خلال الدعابة في زمن الكارثة.
ان تدخل المواطنين والمجتمع المدني سواء عبر نقل المشاهد الصعبة ونقل نداءات الاستغاثة وان كان بشكل غير حرفي هو يعبر عن إرادة المشاركة المجتمعية. كما يعبر حضور مواطنين ونشطاء في المساعدة للانقاذ والنجدة كما شاهدنا في عدة مقاطع يعبر عن قيم تضامنية إنسانية وأيضا عن حضور سياسي للمواطن كفاعل اجتماعي يمارس دوره المجتمعي في هذه الازمة او “الكارثة” كما وصفها الخبير البيئي عامر الجريدي في تصريح إذاعي وهو أستاذ سابق بمعهد الصحافة وعلوم الاخبار بتونس ومستشار سابق لوزير البيئة.
وهنا تتجلى أهمية تشريك الدولة للمجتمع المدني والمواطنين وخصوصا المتخصصين لتقديم المساعدة مثل الايواء وتوفير الأطعمة والمساعدات العينية على غرار تجند مواطنين في صفاقس لتوفير وجبات للمتضررين.
ومن هنا يتجلى مفهوم المشاركة وحاجة المؤسسات الرسمية الى تشريك الفالين الاجتماعين مثلما يشير الى ذلك عالم الاجتماع اولريش بيك في مؤلفاته عن مجتمع المخاطر. ويؤكد بيك أن الدولة لا يمكنها التخطيط للأزمة وحدها في الغرف المغلقة. ويقول “إن إدارة المخاطر تتطلب توزيعا جديدا للسلطة؛ لا يمكن للدولة أن تدعي احتكار المعرفة بالأزمة.
مشيرا الى واجب الدولة في حسن إدارة الأزمة يتجلى في “الشفافية المعلوماتية” حيث ان. الإدارة الناجحة عند بيك تبدأ من إشراك المجتمع المدني والخبراء المستقلين في وضع خطط الطوارئ. “حسن الإدارة” يعني تحويل المواطن من “ضحية محتملة” إلى “شريك في الوعي بالمخاطر”.
الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية
تتجاوز تأثيرات الفيضانات الجوانب الاقتصادية المباشرة لتشمل آثارا اجتماعية عميقة على النطاق المباشر للازمة والمدى القريب والبعيد. عادة تكون الفئات الهشة والفقيرة هي الأكثر تضررًا، خاصة سكان الأحياء الفقيرة التي تفتقر إلى البنية التحتية الأساسية وشبكات الصرف والسكان الذين يعتمدون في موارد رزقهم على الأنشطة اليومية.
تضررت أيضا الفئات العاملة في الزراعة والصيد، مثل صغار المزارعين والصيادين الذين فقدوا قواربهم ومعداتهم.
حيث أدت الفيضانات إلى فقدان مراكز اقتصادية محلية وتعطيل الأنشطة الزراعية والصناعية والسياحية، مما أثر على مصادر عيش المواطنين. حتى أن مطعمًا جامعيًا لم يتمكن من توفير وجبة العشاء، مما حرم مئات الطلاب المحتجزين في المبيتات الجامعية من الحصول على وجبة غذائية.
من جهة ثانية أدى إيقاف الدروس بكل متفاوت بين الولايات الى تعطل السير العادي للدروس للتلاميذ والطلبة ما يعد ارتباكا في السير العادي للدروس والامتحانات وتفاوت بين الجهات (تعطل الدروس تواصل في ن عروس يوم الخميس 22 جانفي) بينما في جهات أخرى استانفت الدروس.
كما أدى تعطيل عمل رياض الأطفال مقابل مواصلة عمل باقي الموظفين مشاكل اجتماعية وان كانت ضئيلة مقارنة بالأضرار الفادحة والخسائر البشرية وانهيار المساكن والمباني والمنشآت العمومية والطرقات والارصفة.
ونتج عن ضعف الاستجابة والتدخل لنجدة المواطنين خصوصا في الأحياء الى بوادر احتجاجات ونداءات استغاثة من قبل المواطنين بالاحياء او على مستوى الطرقات جراء تعطل حركات السير وتعطل مصالح النشطاء الاقتصاديين. وقد تواصل مواطنون مع رئيس الجمهورية خلال زيارته الى عديد المناطق وسمع مطالب ودعوات للمساعدة والتدخل وأيضا المحاسبة.
في جرد لجملة الاضرار والخسائر التي خلفتها الفيضانات بعدد من المناطق في البلاد التونسية أشار الخبير في المناخ حمدي حشاد الخسائر البشرية الى انه تم الإعلان رسميًا على 4 وفيات في مدينة مكنين ولاية المنستير بسبب السيول وارتفاع منسوب المياه بسرعة ثم ظهرت تحيينات إعلامية تشير إلى ارتفاع الحصيلة إلى 5 وفيات مع تسجيل وفاة إضافية في مدينة نابل ووجود مفقودين حسب تصريحات من الحماية المدنية منهم البحارة الذين غرق مركبهم ونجا احدهم.
أما الخسائر المادية فكانت ولاية نابل من أكثر الولايات تضررًا ماديًا خاصة مع تسجيل أضرار كبيرة في معتمديات قرمبالية سليمان الحمامات بني خيار قليبية.
حيث سجل ميناء بني خيار غرق أو تضرر كبير لحوالي 30 مركب صيد صغير حسب ما تم تداوله وتأكيده في تقارير صحفية زيد على هذا صارت تسربات للمياه وأضرار في مساكن خاصة في سليمان مع صعوبات كبيرة للأهالي زيد على هذا صارت تراكمات قوية جدًا منها 230 مم في المنستير ضمن نفس الحدث الجوي.
وفي مقارنة مع إيطاليا أشار السيد حشاد إلى انه الى حد الآن لم تسجل وفيات رسميًا في إيطاليا حسب تقارير إيطالية ووكالة ANSA .
وختم بالقول ان اللافت في عاصفة Harry هو أن الخسائر البشرية تركزت أكثر في نقاط تلاقى المطر الغزير مع هشاشة عمرانية وتصريف ضعيف، بينما كانت الخسائر المادية الأكبر على السواحل أين لعب البحر الهائج دور البطولة حسب توصيفه وقال ان “الظاهرة بنفس المنخفض، نفس الطاقة الجوية، لكن النتائج تختلف حسب الاستعداد، التخطيط، وطريقة تعامل المدن مع الماء. وهذا وفق تقديره يطرح سؤال واضح اليوم قبل الغد، هل مازلنا نخطط مدننا وكأن المطر “ضيف نادر”، ام يجب ان نتعامل معه كعنصر دائم حاضر بقوة في مناخ المتوسط الجديد.
الآليات والسياسات الاستراتيجية الرسمية
يعلن عالم الاجتماع الألماني “أولريش بيك” في كتابه “مجتمع المخاطر العالمي” عن قطيعة تامة مع منطق الحداثة الكلاسيكية. فبينما كان الهدف الأسمى للدولة قديماً هو “توزيع الثروة” وتحقيق الرفاهية، أصبحت المهمة الوجودية للدولة المعاصرة هي “إدارة المخاطر” التي أنتجتها الحداثة نفسها. إن الأزمات البيئية، المالية، والإرهاب العالمي ليست عوارض عابرة، بل هي “نتاجات جانبية” لنجاحاتنا التقنية، مما يفرض على الدولة والسياسة أدواراً تخطيطية جديدة كلياً.
يشرح “بيك” أن التخطيط للأزمات في الماضي كان يستند إلى “منطق التأمين”؛ أي توقع الضرر، تحديد المسؤول، ثم دفع التعويض. لكن في مجتمع المخاطر العالمي، نواجه أخطاراً (مثل الانفجارات النووية أو التغير المناخي الجذري) لا يمكن تعويضها بالمال ولا يمكن حصر آثارها في زمان أو مكان.
حيث يرى “بيك” أن التخطيط التقليدي يصبح “أعمى” عندما يحاول معالجة كوارث عالمية بأدوات قومية محلية. التخطيط الناجح اليوم ليس هو الذي يضع “ميزانيات للتعويض”، بل الذي يعمل على “تصفير الاحتمالية” لوقوع الكارثة من الأساس، لأن الكارثة بمجرد وقوعها تعني فشلاً تاماً للنظام السيادي.
من منطلق الواجب السياسي يدعو “بيك” الدولة إلى تبني “مبدأ الحيطة . التخطيط لا يجوز أن ينتظر “اليقين العلمي” (الذي قد يأتي متأخراً بعد فوات الأوان)، بل يجب أن يكون استباقيا. “دولة الوقاية” هي تلك التي تعترف بمحدودية معرفتها وتخطط للأسوأ كإجراء احترازي، محولةً “عدم المعرفة” من عائق أمام القرار إلى محرك للتحوط السياسي.
في هذا السياق يلعب الاعلام دورا محوريا في نظر عالم الاجتماع اولريش بيك مشيرا الى ان المخاطرة “ليست حدثاً يقع ثم ينقله الإعلام، بل هي حدث يتشكل من خلال التغطية. يقول بيك إن الواقع ووسائل الإعلام يشتركان في “كتابة فصول” مجتمع المخاطر.
حيث ان الإعلام هو الذي يمنح المخاطر “هوية سياسية”. عندما يحول الإعلام خطر المناخ من جداول بيانات علمية معقدة إلى صور ومشاهد لفيضانات أو ذوبان جليد، فإنه ينقل الخطر من “حيز العلم” إلى “حيز السياسة”. هذه العلانية هي التي تضغط على الدول للتخطيط والمواجهة؛ فبدون “فضيحة إعلامية” للخطر، لا يوجد حراك سياسي.

الثغرات ونقاط الضعف
صادقت تونس على اتفاقية الأمم المتحدة بشأن تغير المناخ في عام 1993 وبروتوكول كيوتو في عام 2002. وقدمت مساهمات محددة وطنيًا (NDC) في عام 2015 وحدثتها في عام 2021 بهدف خفض الانبعاثات بنسبة 45% بحلول عام 2030 مقارنة بمستويات 2010.
كما طورت استراتيجية وطنية للانتقال الإيكولوجي تهدف إلى توجيه التنمية الاقتصادية المستدامة. على صعيد التكيف، أطلقت تونس مخططها الوطني للتكيف (NAP) لدمج التكيف مع تغير المناخ في التخطيط الاجتماعي والاقتصادي.
واعتمدت استراتيجية وطنية للحد من مخاطر الكوارث للفترة 2018-2030. خصصت تونس 360 مليون دينار للبرنامج المندمج للصمود ضد الكوارث الطبيعية، ويتطلب تنفيذ الاستراتيجية الوطنية للحد من مخاطر الكوارث تمويلات إضافية بقيمة 550 مليون دينار.
على الرغم من وجود هذه الاستراتيجيات، يواجه تطبيقها تحديات جوهرية. تتمثل الثغرة الأولى في الانتقال من نهج استجابي ما بعد الكارثة إلى استراتيجية شاملة متكاملة تجمع بين الحد من المخاطر وبناء المرونة والتكيف المسبق. كما تشير الوثائق إلى ضرورة تعزيز التنسيق بين المؤسسات والقطاعات الحكومية المختلفة.
تعد البنية التحتية الضعيفة أحد أبرز التحديات، حيث لا تستطيع استيعاب الأمطار الغزيرة، خاصة في الحواضر الكبرى ذات الكثافة السكانية العالية التي تفتقر إلى شبكات تصريف المياه والصرف الصحي المناسبة. كشفت الأزمة عن “هشاشة هيكلية” حادة في قنوات التطهير. كما أن غياب “خطط الطوارئ البديلة” في قطاع النقل أدى إلى تعطل الخدمات الأساسية.
بالإضافة إلى ذلك، لوحظ نقص التجهيزات النوعية، مثل غياب الآليات الثقيلة المخصصة للشفط والضخ عالي التدفق في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية. اعتمدت فرق الحماية المدنية بشكل كبير على الزوارق المطاطية التقليدية، بينما تطلبت بعض الحالات مروحيات إنقاذ أو مدرعات برمائية.
يُنتقد أيضا غياب “اللوجستيك الرقمي” وعدم استخدام الذكاء الاصطناعي للتنبؤ بمسارات السيول، بالإضافة إلى غياب أدوات التنسيق الرقمي بين خلايا ولجان مجابهة الكوارث. كما أشارت التقارير إلى ضعف فعال لآليات الإنذار المبكر وعدم تفعيلها بشكل كافٍ.
تتمثل الثغرة الثالثة في نقص البيانات والمعلومات والشفافية في مشاركتها مع المواطنين، وضعف التواصل مع وسائل الإعلام في تقديم إرشادات السلامة والتنبيهات.
إدارة الأزمات المناخية
لتحسين التعامل مع الأزمات المناخية المستقبلية، يوصي خبراء ودراسات بجملة من الإجراءات والقرارات ضمن تخطيط استراتيجي مستقبلي وشامل للازمات ومنها ازمة التغير المناخي.
تعزيز البنية التحتية: يجب الاستثمار في تحديث وتطوير شبكات الصرف الصحي وقنوات تصريف مياه الأمطار، خاصة في المناطق الحضرية ذات الكثافة السكانية العالية. يجب تصميم هذه البنى التحتية لتكون قادرة على استيعاب كميات أكبر من الأمطار بما يتناسب مع التغيرات المناخية.
تطوير خطط الطوارئ: يجب وضع خطط طوارئ شاملة لقطاعات النقل والخدمات الأساسية، بما في ذلك توفير آليات بديلة لنقل المواطنين وطلاب الجامعات في حالات الفيضانات.
تحديث التجهيزات واللوجستيات: يجب توفير التجهيزات الحديثة لفرق الحماية المدنية، مثل آليات الشفط والضخ عالي التدفق والمروحيات والمدرعات البرمائية للتعامل مع الحالات الصعبة.
الاستثمار في التكنولوجيا الرقمية: يجب تبني حلول الذكاء الاصطناعي واللوجستيات الرقمية للتنبؤ بالفيضانات وإدارة الكوارث بشكل فعال، بالإضافة إلى تعزيز التنسيق الرقمي بين اللجان المختلفة.
تفعيل آليات الإنذار المبكر: يجب تعزيز وتفعيل آليات الإنذار المبكر لتقديم معلومات دقيقة وفي الوقت المناسب للمواطنين حول التقلبات الجوية المتوقعة.
تحسين الاتصال والإعلام: يجب تطوير استراتيجية اتصال واضحة وشفافة خلال الأزمات، تتجاوز “خطابات التطمين” وتقدم معلومات دقيقة ومفصلة للمواطنين ووسائل الإعلام. يجب أن يكون الإعلام متخصصًا في إدارة الأزمات المناخية ويعتمد على الحقائق العلمية.
الاستعداد المسبق: يجب التركيز على الإجراءات الوقائية والاستباقية مثل جهر الأودية وصيانة مضخات الأنفاق بشكل دوري لتقليل مخاطر الفيضانات. والتدريبات على نماذج وتوقعات مستقبلية وليس على نماذج ماضية.
الدعم للفئات المتضررة: يجب وضع آليات لتعويض الفئات المتضررة، وخاصة الهشة والفقيرة، عن الخسائر المادية والبشرية. وأيضا تحسين قدرة مختلف الفئات على الصمود وتوجيه الوعي الجمعي نحو حالة الطوارئ بدل الاسترخاء.
تعزيز القدرات المؤسسية: يجب تحسين قدرات المؤسسات الوطنية المعنية بالرصد الجوي لتوفير توقعات دقيقة وموثوقة، والاستثمار في هذا المجال عبر التقنيات الرقمية والاستعانة بالخبراء سيعود بفوائد اقتصادية واجتماعية كبيرة.
ان الفيضانات التي عاشتها البلاد التونسي اثبتت بما لا يدع للشك، مرة أخرى (الى جانب الجفاف) ان البلاد التونسي هي في قلب ظاهرة التغيرات المناخية بما تمثله من ابعاد بيئية واقتصادية واجتماعية.
ويدعو الخبراء استنادا الى أبحاث وتوقعات الى وضع استراتيجية وسياسة متلائمة مع مستقبل هذه التغيرات لدعم قدرة الشعب والمؤسسات والمجال على الصمود والتكيف مع التغيرات التي حصلت والتي يتوقع ان تحصل مستقبلا لضمان المساواة في الحظوظ في الاضرار والمنافع وتدعيم القدرة على المقاومة.
ان وضع استراتيجيا تنفذها الدولة وحدها سيكون امرا منقوص النجاعة اذا لم يتم وضع سياسة اتصالية وأجهزة انذار مبكر وتشريك المجتمع المدني والاعلام ونشر التوعية والتثقيف البيئي والمشاركة في خفض الانبعاثات المؤدية الى الاحترار المضاعف للتغيرات المناخية، الى جانب تدعيم البنية التحتية وتعزيز الشفافية والحكومة والرقابة القانونية والتقنية والتعويل على المجتمعات المحلية بنفس القدر من التعويل الى القروض والمنح الدولية.
هذه الفيضانات تمثل اختبارا وتجربة ميدانية للاستفادة منها واليقين من انعدام حالة اليقين.




