أنطولوجيا ليلة القدر: جدلية المقدس والدنيوي وإعادة إنتاج العقد الاجتماعي في تونس

في الوقت الذي خلت فيه الحركة في عدد من المدن التونسية، كانت مدينة القيروان يوم 26 من شهر رمضان على موعد مع حركية فريدة وشديدة شهدتها الأسواق والاسر وكانت اكثر الفضاءات التي شدت الانتباه هي محلات الجزارة ومشاهد حضور اعداد كبيرة وطوابير من النساء والرجال يتفاوضون حول قطع اللحم ويتسابقون الى “المسلان” ليكون على طبق الكسكسي طعاما للضيوف وصدقة وهدية متبادلة في ليلة ال27 من الشهر المقدس. أو ما يسميه التونسيون عشاء الموتى.

بقلم الباحث في علم الاجتماع، ناجح الزغدودي

تطرح عديد الأسئلة الاستفهامية في الفضاءات الاجتماعية خصوصا عبر فضاءات التواصل الاجتماعي حول الصلة بين ليلة27 من رمضان والكسكسي باللحم والصلة بينها وبين ختان الأطفال (خصوصا الجماعي للايتام والفقراء) ورمزية عقد القران والخطبة في هذه الليلة المباركة من منظور ديني.

فماهي الابعاد الرمزية والثقافية لظاهر الكسكسي باللحم ليلة 27 رمضان وماهي هي الحقيقة الاجتماعية لهذه المناسبة ومدى ارتباط العادات والتقاليد بالعبادات ومدى اتصال المأكولات بالجانب المقدس.

فما علاقة هذه العادات الاجتماعية بالمعتقدات هي هل ممارسات ثقافية موازية ام متكاملة وهل هناك ما يفسرها؟

لا يمكن اختزال ليلة السابع والعشرين من رمضان في تونس، وتحديدها في قلبها الحضاري والاسلامي النابض “مدينة القيروان”، بوصفها مجرد محطة زمنية في التقويم الشعائري الروحاني بصفتها “ليلة القدر” كما يجمع البعض على تسميتها.

ترغب كتب الفقه والتفاسير، اعتمادا على السنة النبوية والقرآن الكريم على احياء شعائر ليلة القدر بالصيام والقيام وتلاوة القرآن والسنن والصدقات وفعل الخير. وتقام بجامع عقبة بن نافع مراسم احياء هذه المناسبة بما يليق بها من أنشطة دينية. وبالتواصل مع هذه العبادات والعمل الديني الصالح، تنشط عدة عادات اجتماعية تهم طبخ مأكولات وتبادل الزيارات وعقود القران وحفلات الختان وغيرها من الأنشطة الاجتماعية والاقتصادية ما يثير التساؤل حول مدى الترابط بين القيم الدينية والقيم الاجتماعية في هذه المناسة وحدود الاتصال بين هذه الطقوس المتضادة ظاهريا.

نجد إجابات لهذه الأسئلة المثيرة للحيرة إجابات ودلالات في دراسات علماء اجتماع درسوا الظواهر الاجتماعية والطقوس والممارسات الدينية.

وترى ان هذه المناسبة التي تجمع جملة من العادات والطقوس تمثل “ظاهرة اجتماعية” تتجاوز العبادة الفردية لتصبح آلية جماعية لإعادة إنتاج المجتمع لذاته. في هذه الليلة، يتحول الفضاء العام مثل المساجد والأسواق والخاص مثل المنازل إلى فضاء سوسيولوجي تتداخل فيه النصوص الدينية بالتمثلات الثقافية، وتتحول فيه الأطعمة والزيارات او الضيافات إلى خطاب تواصلي مباشر لترميم ما تآكل من روابط اجتماعية طوال العام وتجديد صلة الرحم واحياء القيم الاجتماعية مثل قيم التضامن والتسامح وأيضا اظهار خصال الكرم وحسن الضيافة.

درس عديد المنظرين الاجتماعيين الطقوس والتقاليد كظواهر اجتماعية وفككوا سياقاتها الاجتماعية وابعادها الثقافية قصد إيجاد الروابط بينها والدلالات المعبرة قصد فهم المجتمعات خصوصا المجتمعات التقليدية.

تضامن آلي وانتماء اجتماعي

وفقا للمقاربة الدوركهايمية في كتابه “الأشكال الأولية للحياة الدينية”، فإن الوظيفة الجوهرية للطقس ليست تقديس الميتافيزيقا فحسب، بل هي خلق “التضامن” بين افراد المجتمع فيصبح للدين وظيفة اجتماعية. في السياق التونسي، تعمل ليلة 27 كأداة وظيفية لإنتاج “التضامن الآلي” وتفعيل جملة من القيم. فالمجتمع الذي تشتته مشاغل الحياة اليومية وضغوط الحداثة، يجد في هذه الليلة فرصة لاستعادة وجدانه الجمعي. بل انه يسعى الى استغلال أي مناسبة جماعية لاقامة تواصل بين

كسكسي بالعلوش رمز اجتماعي وثافقي
كسكسي بالعلوش رمز اجتماعي وثافقي

الافراد وتجديد التواصل مع العادات والتقاليد.

من هذا المنظور فان اعداد الكسكسي باللحم هو مناسبة اجتماعية ووجدانية. فاجتماع العائلة الموسعة حول “طبق الكسكسي” هو همزة وصل رمزية بين افراد العائلة وتوزيع صحن كسكسي على الجيران هو أداة اتصال وتفعيل لقيم التبادل والكرم وهي قيم اجتماعية ذات خلفية دينية إسلامية تحث على الانفاق والتصدق.

كما ان مشاركة العائلة في هذه العادات هو في جوهره فعل “انصهار” في المجتمع الذي تنتمي اليه الاسرة.

فالحركة الموحدة التي تقوم بها آلاف الأسر في زمن واحد وبطقوس متطابقة، تخلق نوعا من “الفوران الجماعي” الذي يعيد شحن طاقة المجتمع، ويذيب الفوارق الفردية لصالح الهوية الجماعية ويحي الثقافة الجماعية ويشعر الفرد بالانتماء وأنه ليس مفردا منعزلا وهذا يشعره اكثر بالأمان والمشاركة حتى وان كان طبق الكسكسي مكلفا امام ارتفاع أسعار اللحوم (بين 55 و60 دينار) وتكلفة استضافة الضيوف.

ونفس الشي ينطبق على احتفالات الاسر بذكرى المولد واعداد العصيدة وأيضا أضحية العيد وبعض الشيء احتفالات المجتمع المحدث بالسنة الإدارية الجديدة.

اتصال المقدس والدنيوي

من جهة ثانية تطرح الأنثروبولوجية ماري دوغلاس في كتابها “الطهارة والخطر” فكرة أن المجتمعات تستخدم الطقوس لرسم حدود واضحة بين “المقدس” و”الدنيوي”، وبين “الطاهر” و”النجس”. وتعمل ليلة القدر في تونس كعملية ترميم سنوي لـ “حائط الفضيلة” الاجتماعي وما يشبه التطهر من الذنوب عبر تقديم وجبة “عشاء الموتى” كهدية او صدقة من منظور ديني وأيضا تذكر الاحبة الذي فقدتهم اسرهم وغابوا عن تلك المائدة بما ترمز اليه من رزق ونعم.

كما توجد ممارسات أخرى ضمن طقوس التطهير وهي البخور وتنظيف المنازل، ارتداء اللباس التقليدي “الجبة والشاشية”، جميعها يعيد المجتمع القيرواني والاصطلاح على الالتزام بقيم معينة.

هذا “الحصن الرمزي” يحمي الجماعة من القلق الناجم عن الاضطرابات الاجتماعية. فالعودة إلى التقاليد الجامدة في هذه الليلة هي “دفاع ثقافي” ضد التحلل القيمي، حيث يصبح الالتزام بالعادات دليلا على الانتماء إلى “جماعة الفضيلة” والنقاوة الروحية

ومن دلالات ذلك اختيار هذه الليلة المقدسة لاقامة روابط ذات قداسة اجتماعية وهي “الصداق”. فليلة 27 من رمضان هي موسم عقد القران وعقد نوايا الزواج من خلال الخطبة وتعارف الاسر وأيضا موسم يحمل فيه الخاطب هدية الى خطيبته.

وبنفس الدرجة تقام مواكب حفلات الختان الجماعي للأطفال، وهو طق عبور متصل بقيم وتعاليم دينية وتضفى عليها سحنة الكرم والتضامن والتكفير عن الذنوب والتقرب الى الله.

اللغة المادية للطعام والهدية  

تتجلى القيمة الرمزية لهذه الليلة (ليلة القدر خير من الف شهر) في قدرتها على تحويل المعنى الروحي إلى “مادة” ملموسة. هنا يبرز مفهوم “الهدية” لمارسيل موس. فتقديم “الموسم” (هدايا الخطوبة) أو ختان الأطفال في هذه الليلة، او صحن كسكسي باللحم، ليس مجرد فعل احتفالي، بل هو نظام من الالتزامات المتبادلة خصوصا وان اللحم يرمز اجتماعيا الى الاضحية والدم وايضا الكرم والدسم وولائم العطاء.

فالطعام وفق مقاربات الانثروبولوجيا، لغة تواصل اجتماعية صلب الجماعة. فحين تُوزع أطباق الطعام (الكسكسي باللحم له رمزية مشتركة كونه طعام مناسبات الافراح والولائم والضايفة) على الجيران أو الفقراء، فإنها ليست مجرد وجبة غذائية بل هي رسائل مشفرة للاعتراف المتبادل. ويصبح الطعام هنا هو الوسيط الذي يربط بين بركة الرزق والتكافل الاجتماعي او رمزية الاتصال بين السماء والارض.

وتصبح الهدية في هذه المناسبة المشهودة كعقد اجتماعي. وتختلف هدية ليلة 27 عن سائر الأيام العادية. فهي في هذه المناسبة تخلق دينا رمزيا يضمن استمرار العلاقات العائلية والتحالفات الاجتماعية او ما يعرف في الإسلام بصلة الرحم بين الأقارب والجيران. إنها ممارسة تضمن بقاء الفرد داخل شبكة الأمان التي توفرها “الجماعة” حسب ذات المنظور.

Peut être une image de une personne ou plus

القيروان.. المركز الذي يقدس العادة

يطرح السؤال لماذا القيروان؟ حتى من باب المفارقة التنموية.

تنفرد القيروان بكونها المركز الرمزي الذي يمنح العادة طابعها الأسمى. فهي عاصمة روحية في شهر رمضان بفضل رمزيتها الحضارية. توصف كونها اول قبلة للاسلام وأيضا توصف كونها رابعة الثلاث. وتحتوي على معالم دينية تاريخة ذات رمزية روحية.

ففي جوار “مقام أبي زمعة البلوي” أو “جامع عقبة بن نافع”، لا تعتبر العادات ممارسات عادية، بل تصبح “مناسك اجتماعية” وكانها منظومة متكاملة بين الممارسة المقدسة داخل المعالم وحركة الطواف خارجها.

ولعل التزاحم حول هذه المراكز الرمزية والتسابق نحو دخولها والتقاط صور السلفي، يعكس رغبة الأفراد في التماهي مع هذا “الرأس مال الرمزي” (بتعبير بورديو) والاتصال به كجزء من الهوية ويمنحهم الشرعية والمكانة داخل النسيج السوسيولوجي التونسي.

تبدو جميع الأسئلة الانكارية بشأن الترابط بين طبق كسكسي بالعلوش وليلة القدر او مواسم الخطبة والصداق او حفلات الختان، أسئلة لا تخلو من التفكير المادي العقلاني تجاه ممارسات تضمر جوانب خفية رمزية. ولكن مع الاقتراب من هذه الأفعال وتفهمها يسهل مشاهدة الخيوط الرفيعة التي تنشئ قنوات اتصال بين العادات والعبادات وتبادل التاثير بينهما. فيمكن للعبادات ان تثري العادات وتغنيها كما يمكن للعادات ان تؤثر في الطقوس وتوظفها لغايات اجتماعية مثل تمتين الروابط وتفعيل قيم التضامن الالي وتذكير الفرد بانتماء الاجتماعي والثقافي ورأسمالها او “الهابيتوس” الخاص به.

فليلة 27 في تونس هي لحظة استثنائية يتوقف فيها الزمن الخطي ليحل محله “الزمن الدوري” الذي يعيدنا إلى الأصول. هي رحلة ترميم سنوية للروح الاجتماعية، حيث يظل الطعام والهدية والطقس الشعبي، الحبال المتينة التي تمنع جسد المجتمع من التفكك، محولة المقدس الديني إلى وقود للحياة الاجتماعية المستدامة من خلال رمزيات الهدايا والتبادل والتضامن وجميعها قيم اجتماعية تجد لها محفزا دينيا يحث على الصدقة والهدية والتآخي وصلة الرحم.

وتصبح اطباق الكسكسي باللحم هي لغة تواصل اجتماعي مشحونة بمعاني روحية ودينية انها لحظة اتصال الفعل الدنيوي بالطقس المقدس.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *