
ناجح الزغدودي صحفي وباحث في علم الاجتماع
في قلب مدينة القيروان، حيث يتصل التاريخ بالحاضر في شكل ايقونة، يتحول الورد الدمشقي العطري في شهر أفريل من كل عام إلى أكثر من مجرد زهرة ربيعية. فقد تحولت الى الزهرة رمز ثقافي عميق، يجسد الترابط الاجتماعي والقيمة الاقتصادية والتراثية التي تتوارثها الأجيال.
في مشاهد الحياة اليومية وهذه الحركية يبرز الورد كفاعل بيئي طبيعي تتمركز حوله عدة أنشطة وطقوس وحركية اقتصادية. تنحني أشجار الورد مثقلة بقطرات الندى فيحين قطافها قبل شروق الشمس بانامل نسائية حرة تقطف الورد فجرا، ويتنقل الى السوق فاتحا مزادات البيع والعرض والطلب والتسعيرة، وصولا إلى أسواق التفصيل والتصدير ويفتح الورشات في المنازل عمليات التقطير التقليدية.

يبرز هذا التقرير كيف حوّلت أسر قيروانية عادات منزلية بسيطة إلى مشاريع حرفية ناجحة، تجمع بين الحفاظ على التراث والاندماج في الدورة الاقتصادية الحديثة وتكشف الأنشطة عن طقوس جمالية عطرة متصلة بعادات موروثة وابعاد اجتماعية تتصل بالقداسة.
ويتم تقسيم العمل جندريا بين الاناث والذكور في مسارات ومجالات مختلفة. حيث تتخصص النساء بدءا بقطف الورد كيد عاملة بينما يتخصص الذكور في التجارة المتنقلة، مقابل تخصص يكاد يكون حصرا للنساء في اعمال التقطير والاستخراج في المنازل والورشات. ما يضفي على هذا النشاط الوردي مسحة انثوية ربما لاتصاله بمجالات التجميل والعادات المنزلية.
ومنذ ثلاث سنوات تم احياء مهرجان تراثي يحتفي بالورد ضمن احتفالية تشرف عليها جمعية القيروان مدينتي (جمعية نسائية) وتتضمن جملة من الفقرات التفاعلية من معارض وندوات ومنتديات وانشطة ثقافية وزيارات ميدانية ومسابقات بين حرفيي تقطير الورد. ويصنع المهرجان حدثا ثقافيا وسياحيا وتنمويا وتنخرط فيه عديد المؤسسات الرسمية وحقق افتتاحه يوم 17 أفريل حدثا ثقافيا وسياحيا في موسم تقطير الزهور العطرية ليحول هذا المنتج الزراعي الجميل الى فعالية ثقافية وسياحية ويسلط الضوء على قيمة حضارية ذات ابعاد تنموية واجتماعية وتحظى بتغطية إعلامية واسعة واهتمام شعبي. وقد يتواصل المهرجان وينجح في عولمة هذا النشاط الزراعي الثقافي وادراجه ضمن التراث الوطني والعالمي.
تراث زراعي وطني
تتوزع خارطة زراعة الورد على عدة مناطق في ولاية القيروان ضمن مساحات متفرقة هن وهناك ومنها زراعات إنتاجية كبرى وزراعات منزلية في الحدائق وشجيرات متغلغلة بين الضيعات. ووفقاً لتقديرات المندوبية الجهوية للتنمية الفلاحية تحتل ولاية القيروان المراتب الأولى في إنتاج الورد الدمشقي ذو الجودة العالية بفعل عوامل مناخية تمتاز بها الولاية حيث قدرت صابة الإنتاج لهذا الموسم بـ 600 طن على مساحة 450 هكتار حسب ما أفاد به عبد الرزاق السالمي رئيس قسم الفلاحة البيولوجية لمندوبية الفلاحة بالقيروان وقد تطورت المساحات بشكل كبير في خمسة سنوات الأخيرة .
كما بين رئيس قسم الفلاحة البيولوجية أن مناطق الإنتاج ترتكز أساسا في كل من منطقة الخزازية بمعتمدية القيروان الجنوبية وذراع التمار من معتمدية القيروان الشمالية، إلى جانب عدة مناطق من معتمدية الشبيكة وبوحجلة حيث بلغ عدد الفلاحين أكثر من 150 فلاحا ينشطون في مجال الورد وتكتسح القيروان نسبة 99% من المساحة الجملية لإنتاج الورد على مستوى وطني.
وتعد زراعة الورد نشاطا شديد الحساسية نظرا لحاجة الورد الى المياه العذبة والحرارة المعتدلة وهو ما يجعل زراعته شديدة الخصوصية وتواجه صعوبات مناخية.
الورد…إن موعده الفجر

تبدأ رحلة الورد قبل شروق الشمس. في حقول زراعية مثل الخزازية وذراع التمار والشبيكة، يقطف الفلاحون الورد الندي مع اذان الفجر حين تكون الندى لا يزال يعانق الأوراق، للحفاظ على نضارته ورائحته القوية المميزة للوردة القيروانية. ثم يُنقل بعناية إلى سوق الجملة ويعرض للدلالة، حيث يُعرض للبيع بالمزاد. هناك يحدد التجار القادمون من ولايات مثل نابل والمنستير وسوسة، والحرفيون الجودة ويحددون الأسعار بفضل خبرتهم في كشف أنواع الورد وجودته ويعرفون جيدا الوردة العربية الخاصة بالقيروان، ذات الرائحة الزكية والأوراق المنفصلة ويميزونها بعد ذلك، ينتقل إلى أسواق التفصيل في عديد الجهات، حيث يشتريه الحرفيون والعائلات للتقطير المنزلي أو الصناعي.
يتنقل الفلاحون والتجار الورد من القيروان إلى ولايات الساحل والوطن القبلي، ويعودون بالزهر (النارنج) والنسري (الياسمين) مما يعزز التبادل التجاري داخل منظومة الاسواق المحلية. هذه الدورة الاقتصادية ليست جديدة، لكنها تكتسب اليوم بعدا حديثا مع انتشار المنتجات محليًا ودوليً وتطور اليات التسويق.
بورصة الاسعار وتحديات المناخ
تشهد أسعار الورد تقلبات يومية، لكنها ارتفعت في السنوات الأخيرة. يتراوح سعر الكيلوغرام بين 20 و45 دينارًا عموما حسب الإنتاج. وقد بلغت حوالي 25-35 دينارًا في الموسم الحالي، حسب الجودة وظروف الطقس.
يعود الارتفاع إلى مشاكل مناخية (الجفاف والحرارة)، نقص المياه، ارتفاع تكلفة اليد العاملة، والزراعة. رغم ذلك، يبقى النشاط مربحا عند دخوله سلاسل القيمة والتحويل، إذ ينتشر المنتج محليًا ودوليً، ويدمج في الاقتصاد الوطني عبر التصدير والسياحة والحركية الاقتصادية المحلية.
تقطير الورد، عطر الروح
في شهر افريل من كل عام، تتحول عديد المنازل القيروانية الى معامل تحويل تنبعث منها روائح الورد والزهر والعطرشاء. حيث تحافظ اغلب العائلات منذ زمن على عادة تقطير الزهور العطرية خصوصا العائلة التي لديها عروس او مناسبة احتفالية. الدار تتحول إلى فضاء عائلي حيوي ودافئ، يجمع النساء والفتيات والأطفال في لوحة حية من الترابط والفرح. الأم والأخوات والبنات يجلسن حول القطار، يتبادلن الحديث والضحكات الخفيفة، بينما يراقب الأطفال الصغار العملية بعيون واسعة مليئة بالدهشة قطرات العطور تنسكب في القارورة الزجاجية المغلفة برقائق النحاس (فاشكة)، يسألون عن كل خطوة ويتلقون دروسا حية في التراث. بينما رائحة البخور تمتزج بعبق الورد المنتشر، وتتردد الأناشيد الدينية الهادئة مع ترديد الصلاة على النبي محمد ﷺ بصوت جماعي، ودعاء مستمر يرتفع من كل قلب وتوقظ روائح الورد حواس الجيران فيتشوفون الى مصدرها.
كما أصبحت عديد الاسر تمتهن حرفة تقطير الورد وتحويله وتسويقه. وتزايد عدد المشاريع الخاصة والتعاونية والأهلية المتخصصة في تحويل الزهور والنباتات وأيضا البذور الى زيوت عطرية.
من العادة المنزلية إلى المشروع الاقتصادي
تحولت العادات التقليدية إلى مشاريع حرفية تحقق فاعلية اجتماعية واقتصادية. تعلمت المهنة من أمها وأسست علامة تجارية “أروميا” (Aromia). تحتفظ بطرق الأسلاف دون فصل الزيت عن الماء، وتشارك في المعارض المحلية والدولية، مما يجعل الورد مصدر رزق لها ولعدد من النساء.
أما الشابة لطيفة دخيلي ، فتمثل الجانب العصري وهي صاحبة شركة متخصصة في تقطير النباتات العطرية بطرق حديثة (Essenciel)، تجمع بين الابتكار الصناعي والحفاظ على الجودة الطبيعية.
إرث الأمهات جيلا بعد جيل
في دار قيروانية قديمة، وسط جدران تروي قصص الأجيال، تقف المرأة الخمسينية جليلة البامري أمام “قطار نحاس” لامع كأنه مرآة الزمن. هذا ليس مجرد قدر تقطير؛ إنه مصنع صغير يجمع بين التراث المادي والطقوس الروحية والاجتماعية.
جليلة، التي ورثت الحرفة عن والدتها كما تقول، تحولت من مجرد هاوية وسيدة منزل إلى صاحبة ماركة عطور «أروميا» التي تعطر العالم بأصالة القيروان. وفي قلب تجربتها المهنية والإنسانية تسكن عادت التقطير الاصيلة تجعل استخراج ماء الورد ليس مجرد صناعة، بل امانة عائلية وفن وهوية ومناسبة عائلية تشبه العيد مع ترديد الادعية والاناشيد الى حين تقطير الورد.
تنتج العملية ماء الورد الغني، وزيت الورد بنسبة أقل. ولا تقتصر جليلة على تقطير الورد، بل تشمل الزهر والعطرشاء، وهي عادات منزلية تمارس في المنازل القيروانية منذ أجيال. كما حرصت على تعليم ما ورثته عن أمها لابنتها التي شاركتها في عدة محطات من بعث مشروعها خصوصا اختيار الاسم التسويقي.
من هنا نشهد كيف تحولت العادات التقليدية إلى مشاريع حرفية وأسرية تحقق فاعلية اجتماعية واقتصادية. تعلمت المهنة من أمها وأسست علامة تجارية (Aromia تحتفظ بطرق الأسلاف دون فصل الزيت عن الماء، وتشارك في المعارض المحلية والدولية، مما يجعل الورد مصدر رزق لها ولعدد من النساء.
شركات ناشئة للشباب وابتكار

حفاظ الاسر على عادات تقطير الورد، انتقل الى الشباب لكن بطرق مبتكرة. لطيفة دخيلي، وجدناها في سوق الورد بالقيروان تنتقي اجود أنواع الورد لتقوم بتقطيره.
حيث قررت التخصص في تقطير النباتات والزهور العطرية وأيضا البذور لغايات تجميلية وطبية. وقد وظفت التخصص العلمي في مجالها كما استعانت بتجهيزات عصرية تعمل بشكل مختلف عن طرق التقطير التقليدية. وقد أسست الشابة لطيفة شركة خاصة وتامل ان تحصل على مساحة زراعية ضمن الأراضي الدولية قصد توسيع مشروعها رفقة عدد من الشبان.
ومن خلال شركتها “ايسونسيال” تأمل ان تستخرج زيوتا وعطورا من الزهور ومنها الورد.
هؤلاء النساء، مدعومات بجمعيات ومؤسسات داعمة في التكوين والتسويق والمعارض، يحولن الورد إلى قيمة تبادلية. يشاركن في تسويق المنتجات عبر المعارض، ويحافظن على البصمة التاريخية: الطرق المتوارثة التي تمنح المنتج هوية قيروانية أصيلة.
الورد: صيدلية التجميل والغذاء والتطبب
يستخدم الورد في الحياة اليومية في عدة اعمال ومجالات. فماء الورد للتجميل (مع زيت الزيتون والياسمين للوجه والشعر)، والطب البديل (لتهدئة البشرة والعناية بالجسم)، والطبخ والحلويات التقليدية. في المناسبات الاجتماعية والأسرية، يصبح رمزًا للكرم والبركة، يُقدم في القهوة للضيوف مع الحلويات التقليدية أو يرش على الضيوف خصوصا في حفلات الاعراس وهو ذو قيمة رمزية تعبر عن الكرم والبركة
ويتخرج من الورد الزيت العطري الذي يتم يستخدم أيضا لصنع مراهم تجميل وعلاج وأيضا يدمج في صنع العطور. وهو من اجود زيوت العطور وله قيمة ذهبية.
عندما يعيد الإنسان تشكيل البيئة
من منظور سوسيولوجي، يعبر تقطير الورد وتحويله وتسويقه وادراجه ضمن العادات الاجتماعية والأنشطة الاقتصادية (فلاحية وتجارية وسياحية) والتتنمية المستدامة من خلال توسيع المساحات وتغيير الخراطة الزراعية، يعبر كيف وظف الإنسان البيئة الطبيعية عبر ابتكارات عقلانية وصناعية لتحسين جودة حياته والتوجه الرأسمالي والجمالي لهذا المنتج الطبيعي.
فالورد، كمورد طبيعي، لم يبق مجرد نبات ينبت تلقائيا، بل تحول إلى سلعة تبادلية تبدأ من اختيار البذور والمشاتل وحسن رعايتها علميا ومن خلال تقنيات التقطير التقليدية (التي تحافظ على الاستدامة) والعصرية (التي تزيد الإنتاجية) وادماجه في سلاسل القيمة وتحقيق الربح (تضاعف سعر الورد) والتنمية المندمجة خصوصا مشاريع تمكين اقتصادي للنساء.
هذا التحول يعكس كيف يعيد المجتمع تنظيم علاقاته الاقتصادية والانتقال من الإنتاج المنزلي إلى المشاريع الصغيرة التي توفر فرص عمل للنساء، وتعزز التمكين الاجتماعي.
رمزية ثقافية محلية في مواجهة العولمة
اما ثقافيا، فلم يعد الورد، في القيروان، مجرد نبات عطري بل جزء من “الثقافة المادية” والرمزية. ويثمّن الورد وأيضا الزهور والنباتات (الزهر والعطرشاء…) في الحياة اليومية كعنصر من عناصر الهوية المحلية في مواجهة العولمة والثقافات السائلة.
فمن خلال طقوس التقطير (الصلاة على النبي، دعوات البركة)، نقل المعرفة الأمومية، والحفاظ على البصمة التاريخية المخصوصة للاسر القيروانية، يتحول الورد إلى قيمة تبادلية دون فقدان أصالته، مما يجسد “الحداثة المحافظة” حيث يحتفظ المجتمع بتراثه بينما يندمج في السوق العالمي. هكذا، لا يصبح الورد مصدر رزق فحسب، بل أداة لإعادة إنتاج الهوية الثقافية في مواجهة التحديات المناخية والاقتصادية.
تراث عالمي محمي
يظل الورد القيرواني شاهدا على قدرة المجتمع التونسي على تحويل الطبيعة إلى ثروة إنسانية. فالورد محرك اقتصادي ورمزية ثقافية واجتماعية ومع استمرار جهود الحرفيات والفلاحين، سيبقى يفوح عطره في كل بيت وورشة، حاملا بصمة تاريخية لا تُمحى ومصدر حياة ورزق لعدد كبير من الاسر سيما مصدر تمكين اقتصادي للنساء في ظل التحولات الاقتصادية والاجتماعية والمناخية التي يعيشها المجتمع ويكرس مبدأ الاستقلالية الاقتصادية للنساء ومجال حرية من خلال تحقيق الذات والثقة بالنفس والاندماج الاجتماعي من خلال المهرجان والاندماج الاقتصادي عبر المشاركة في المعارض والتموقع الدولي وعولمة الورد كمنتج ثقافي يرمز الى الهوية القيروانية التونسية.
رغم التحديات (الجفاف، ارتفاع الأسعار)، بقيت الحرفة صامدة. في العقود الأخيرة، تحولت إلى مشاريع نسائية (مثل ماركة «أروميا» لجليلة البامري في القيروان)، وأُقيمت مهرجانات مثل مهرجان الورد في القيروان لتعزيز السياحة والتصدير. اليوم، يُنتج الورد القيرواني مئات الأطنان سنوياً، ويدمج بين التقطير التقليدي (بالقطار النحاس) والعصري.
ماء الورد في تونس ليس مجرد منتج، إنه خيط يربط الماضي الأندلسي بالحاضر، والجدة بالحفيدة، والتراث بالاقتصاد. في كل قطرة منه، تفوح رائحة تاريخ مدينة القيروان وعبق تونس كلها.
وقد تمثل الخطوة القادمة لمهرجان الورد في تسجيل “ورد القيروان” كتراث وطني وتراث عالمي ليحظى برعاية ودعم خصوصا في المجال الثقافي والسياحي والاندماج الاجتماعي.




