ناجح الزغدودي صحفي وباحث
مع إطلالة شهر أفريل من كل عام، تشهد ولاية القيروان تحولاً سيميائياً وبصرياً شاملاً؛ حيث تخلع المدينة ثوبها الرملي المعتاد لتلتحف حلة وردية زاهية، وتفوح من أزقتها العتيقة “ريحة أفريل” – كما يسميها الأهالي – معلنة انطلاق موسم قطف وتقطير “الورد العطري” أو “الدمشقي”.
بيد أن هذا المشهد ليس مجرد طقس فلاحي أو احتفالي عابر؛ بل هو تجسيد لعمق البنية السوسيولوجية والثقافية لمدينة الأغالبة. فمنذ سنوات، نجحت القيروان في تثبيت براءة ملكيتها وريادتها لزراعة هذا الصنف المخصص لاستخلاص الزيت العطري وماء الورد، ليتحول من مجرد “منتج أرض” إلى “رأسمال رمزي” وعنصر هوياتي محوري يؤثث “مهرجان الورد” في دورته الثالثة (أفريل 2026).
لكن خلف هذا المشهد الجمالي المبهج، تدور رحى معركة صامتة بين طموحات التوسع الزراعي وتنافس التجار في تأجيج بورصة الاسعار وقسوة التغيرات المناخية.
عطر تاريخي وحلة وردية
تستعد مدينة القيروان اليوم، 17 أفريل 2026، لاطلاق الدورة الثالثة لـ “مهرجان الورد بالقيروان”، تحت شعار “ورد القيروان.. حكاية”. هذا الحدث الذي تحول في ظرف سنوات قليلة من تظاهرة محليّة إلى موعد سنوي يختزل الهوية الثقافية للقيروان ويسلط الضوء على قطاع فلاحي يصارع للبقاء بين بريق التراث وقسوة الإكراهات الاقتصادية.
تتوزع خارطة زراعة الورد على عدة مناطق في ولاية القيروان ضمن مساحات متفرقة هن وهناك ومنها زراعات إنتاجية كبرى وزراعات منزلية في الحدائق وشجيرات متغلغلة بين الضيعات. ويمثل رئة اقتصادية هامة. ووفقاً لتقديرات المندوبية الجهوية للتنمية الفلاحية تحتل ولاية القيروان المراتب الأولى في إنتاج الورد الدمشقي ذو الجودة الفريدة من نوعها وذلك لعدة عوامل مناخية تمتاز بها الولاية حيث قدرت صابة الإنتاج لهذا الموسم بـ 600 طن على مساحة 450 هكتار حسب ما أفاد به عبد الرزاق السالمي رئيس قسم الفلاحة البيولوجية لمندوبية الفلاحة بالقيروان وقد تطورت المساحات بشكل كبير في خمسة سنوات الأخيرة .
كما بين رئيس قسم الفلاحة البيولوجية أن مناطق الإنتاج ترتكز أساسا في كل من منطقة الخزازية بمعتمدية القيروان الجنوبية وذراع التمار من معتمدية القيروان الشمالية، إلى جانب عدة مناطق من معتمدية الشبيكة وبوحجلة حيث بلغ عدد الفلاحين أكثر من 150 فلاحا ينشطون في مجال الورد وتكتسح القيروان نسبة 99% من المساحة الجملية لإنتاج الورد على مستوى وطني.
حيث تعتمد مئات العائلات التونسية خصوصا القيروانية على “موسم التقطير” كمورد رزق أساسي. وتمر سلسلة القيمة بمراحل تبدأ من الجني اليدوي في الفجر، وصولاً إلى التقطير التقليدي (باستخدام “القطار” النحاسي) أو الصناعي لاستخراج “زيت الورد” و”مقطر الورد” الذي يُطلب عالمياً في صناعة العطور الفاخرة والمواد التجميلية والغذائية.
يتوقع أن يصل إنتاج الموسم الحالي إلى نحو 45 طناً من الورد المعد للتقطير. ويتوقع ان يوفر الموسم أكثر من 1200 موطن شغل موسمي، أغلبها لفائدة النساء الريفيات اللواتي يمثلن العمود الفقري لعملية الجني اليدوي المضنية التي تبدأ مع بزوغ الفجر.
ويمثل الورد سلسة قيمة مضافة تتنوع مخرجاته بين “ماء الورد” التقليدي، وزيت الورد الأساسي الخام الذي يتم تحويله الى عطور ويصل سعر اللتر الواحد منه في الأسواق العالمية إلى مبالغ خيالية، فضلاً عن استخدامه في الصناعات الغذائية والحلويات القيروانية الشهيرة.
رغم هذه الأهمية، يواجه القطاع “هزات” هيكلية أدت إلى ارتفاع مشط في الأسعار عاماً بعد آخر. فبعد أن كان سعر الكلغ لا يتجاوز 10 دنانير قبل سنوات، قفز في موسم 2026 ليتراوح بين 30 و 40 دينار، وهو ما أرجعه التجار (أصحاب الخبرة) الى جملة من العوامل البيئية مثل الشح المائي وتراجع الموارد المائية في القيروان الذي أدى إلى انخفاض المردودية في الهكتار الواحد، مما رفع كلفة الري.
كما يشكو القطاع من غياب هيكل مهني قوي (مثل مجمع مهني مشترك) يترك الفلاحين الصغار لقمة سائغة للمضاربين والوسطاء، مما يرفع السعر على المستهلك النهائي دون فائدة حقيقية للمنتج. ومثل باقي الأنشطة الزراعية ارتفاع كلفة الزراعة والجني والتقطير التقليدي ومنها أسعار الشراء.
عادات وهوية ثقافية
لا تقتصر زراعة الورد في القيروان على الجانب الربحي، بل هي طقس ثقافي وعادة متجذرة في كل بيت. ففي هذا الشهر، تتحول المنازل إلى ورشات مصغرة لتقطير الورد، الزهر، والعطرشاء.
تقول “راضية”، وهي حرفية وصاحبة مشروع منزلي لتقطير العطور: “الورد بالنسبة لنا ليس مجرد تجارة، هو روح القيروان. عندما يبدأ شهر أفريل، تصبح المدينة عبارة عن ‘قطّار’ كبير. توارثنا هذه الحرفة عن أمهاتنا وجداتنا، وكل قطرة من ماء الورد تحمل معها ذكريات ولمة العائلة. اليوم، أنا أقطر الورد وأبيعه للتجار، وهو ما يوفر لي دخلاً محترماً يعينني طوال السنة”.

تنافس على الجودة وسباق نحو التصدير
بلغة الأرقام، تتحدث الإحصائيات الرسمية عن تطور لافت في هذا القطاع الواعد. فقد بلغت المساحات المخصصة لزراعة الورد الدمشقي في القيروان ما بين 300 و450 هكتارا، تتركز أساساً في مناطق “الخزازية”، “ذراع التمار”، “سيدي علي بن سالم”، و”بوحجلة”.
وقد تجاوز عدد الفلاحين الناشطين في المجال 150 فلاحاً، يوفرون صابة تتراوح بين 600 و700 طن سنوياً، ما يجعل القيروان تتصدر الترتيب الوطني. هذه الوفرة والجودة العالية للورد القيرواني المطلوبة عالمياً، خلقت منافسة شرسة.
يؤكد “عماد”، وهو صاحب وحدة لتقطير واستخلاص الزيوت العطرية في ولاية مجاروة “هناك سباق حقيقي بين التجار وأصحاب المصانع للفوز بأكبر كمية من المحصول. ورد القيروان يمتاز بتركيز عالٍ للزيوت العطرية، مما يجعله مطلوباً بشدة في الأسواق الخارجية، خاصة في فرنسا لصناعة العطور الفاخرة ومستحضرات التجميل. لقد تحول القطاع إلى سلسلة إنتاج متكاملة تخلق آلاف مواطن الشغل الموسمية والقارة”.
لا يمكن قراءة اتساع مساحات زراعة الورد في القيروان بمنأى عن التحولات الاجتماعية التي عرفتها المنطقة. فمن منظور سوسيولوجيا، تمثل عادات زراعة الورد إعادة صياغة للعلاقة بين الإنسان القيرواني وأرضه في ظل التحولات الفلاحية الحديثة.
فقد انتقل الورد من زراعة تكميلية داخل “الجنان” والحدائق المنزلية، إلى زراعة إنتاجية كبرى تستقطب استثمارات هامة وتخلق منافسة شرسة على الجودة والتسويق نحو التصدير (خاصة لفرنسا لعطور النخبة). هذا التحول يعكس رغبة المزارع القيرواني في تحقيق “الوجاهة الاقتصادية” و”الاعتراف الاجتماعي” كمنتج لأزكى الورود، معتبراً أن جودة ورده هي انعكاس لشخصه ومكانته في “البورصة” المحلية والوطنية.
لكن خلف هذه الجمالية، تتوارى مأساة صامتة؛ حيث تعمق بورصة الأسعار (قفز سعر الكغ إلى 30 ديناراً في 2026) من الفوارق الاجتماعية؛ فصغار الفلاحين يصبحون “لقمة سائغة” للوسطاء والمضاربين في غياب هيكل مهني يحميهم، ما يرسخ “تبعية اقتصادية” تقوض استقلاليتهم الاجتماعية.
ولعل المقاربة الأكثر عمقاً في الموضوع هي تلك التي تتجلى داخل المنازل العتيقة والحديثة في القيروان؛ حيث تتحول البيوت في أفريل إلى “ورشات مصغرة” و”قطّارات” كبرى. المحافظ والواعية للأسر القيروانية على عادات تقطير الورد، الزهر، والعطرشاء تمثل آلية دفاعية ثقافية لمواجهة “الحداثة الجارفة” لاستهلاك المواد الجاهزة والمنتجات الموردة خصوصا العطور ومصنعات التجميل وتآكل الهوية المحلية.
الورد في مواجهة قسوة التغيرات المناخية
رغم هذه الأبعاد الجمالية والقيمية والاقتصادية والاجتماعية العميقة المتجذرة في الهوية، لا تخفي الملاحظة الميدانية في حقول الورد جملة من الصعوبات والإشكالات البيئية التي باتت تهدد المزارعين. فالتغيرات المناخية، وشح التساقطات، وارتفاع درجات الحرارة بشكل غير مسبوق، أثرت بشكل مباشر على حجم الإنتاج وموارد الفلاحين.
يتحدث “الصادق”، وهو فلاح أفنى عقوداً في زراعة الورد، بنبرة تجمع بين الحسرة والأمل: “مساحات الورد تتوسع عاماً بعد عام، والاهتمام يتزايد، لكن ‘السماء حبست ماءها’. الوردة شجرة حساسة، تحتاج إلى طقس معتدل وري منتظم لتتفتح وتعطي رائحتها الفواحة.
وفي السنوات الأخيرة، الجفاف وارتفاع الحرارة المفاجئ جعلا الإنتاج يتراجع في بعض الضيعات. وأصبحت تكلفة الري باهظة، واليد العاملة التي تجني الورد فجراً باتت تطالب بأجور أعلى نظراً لصعوبة الظروف. وقال نحن نقاوم من أجل الحفاظ على هذا المورد، لكننا نحتاج إلى دعم وتأطير للتأقلم مع هذا المناخ القاسي”.
من أجل الاستدامة
إن زراعة الورد العطري في القيروان ليست مجرد نشاط فلاحي موسمي، بل هي هوية ثقافة لجهة تقاوم النسيان وتتحدى المناخ.
وتمثل الدورة الثالثة لمهرجان الورد فرصة لتسليط الضوء على هذه الثروة، ليس فقط للترويج السياحي والاستثماري، فقط بل لدق ناقوس الخطر البيئي والدعوة الى دعم الفلاحين وهيكلة القطاع وحمايته من الاحتكار.
حماية هذا “الذهب الوردي” تتطلب اليوم خطة وطنية عاجلة لدعم المزارعين، ترشيد الموارد المائية، وإيجاد حلول علمية تضمن استدامة هذه النبتة التي تعطر حاضر القيروان وتضمن مستقبل أجيالها.



