ناجح الزغدودي- صحفي وباحث في علم الاجتماع
تحي تونس اليوم 12 ماي 2026، الذكرى 62 للجلاء الزراعي الذي استرجع فيه الشعب التونسي أراضيه الفلاحية الخصبة المستعمرة ليبدأ فصل جديد من الاستثمار الفلاحي والتوجه الزراعي الحديث وفق خارطة زراعية ذات خصوصيات محلية في اطار تهيئة المجال وتقسيم العمل بين مناطق البلاد.
اتجهت عديد المناطق في ولاية القيروان نحو التخصص في أنواع من غراسات الأشجار المثمرة ومن أهمها المشمش الذي تمركزت غراسته بمناطق مخصوصة في الجهة اتسمت بوفرة المياه العذبة واعتدال المناخ مثل مناطق عين بومرة وعين جلولة وخيط الوادي بحفوز وحاجب العيون.
بفضل جودته ووفرة الإنتاج واتراباطه بخصوصيات ثقافية واجتماعية، لم يعد المشمش في ولاية القيروان مجرد منتج فلاحي موسمي يزين الأسواق بطلته “الشاشية” أو “الوردية”، بل تحول منذ سنوات إلى رمز ثقافي واجتماعي متجذر، يعكس هوية ريفية متكاملة.
ترتبط بهذه الفاكهة الذهبية دورة اقتصادية كاملة وعادات اجتماعية تتوارثها الأجيال. غير أن هذا الرمز الفلاحي شديد الحساسية يواجه اليوم أصعب اختباراته التاريخية؛ التي تضعه وجها لوجه أمام تقلبات الطبيعة وتداعيات التغيرات المناخية العنيفة التي عصفت بإنتاجيته وبسلاسل قيمته.

المشمش.. دلالة اجتماعية ووزن اقتصادي
تحتل ولاية القيروان المرتبة الأولى وطنياً في إنتاج المشمش، حيث تساهم بحوالي 46% من مجموع الإنتاج الوطني بمعدلات كانت تتراوح بين 15 و 20 ألف طن سنوياً في المواسم الجيدة . وتضم الجهة أكثر من 580 ألف شجرة تمتد على مساحات تفوق 3 آلاف هكتار، تتوزع أساساً بين معتمديات السبيخة، الشبيكة، حفوز، وحاجب العيون. ويشهد الإنتاج حالة عدم استقرار لارتباطه بسنوات الجفاف ومواسم الامطار. وفق ما صرح به رئيس الاتحاد الجهوي للفلاحة والصيد البحري بالقيروان المولدي الرمضاني. وتوجد عدة أنواع واصناف من المشمش. “الشاشي”، و”البيوضي”، و”خد حليمة” التي تحمل أسماءً تعكس ارتباط الفلاح القيرواني بأرضه.
تتجاوز أهمية المشمش لغة الأرقام لتلامس النسيج الاجتماعي. فموسم الجني في شهر ماي ورغم قصر فترته، يعد بمثابة عرس احتفالي تتجند له العائلات بأكملها، ويوفر مواطن شغل موسمية للشباب والنساء العاملات في القطاع الفلاحي. كما يرتبط المشمش بعادات غذائية تقليدية مثل، وتخزينه مجففا.
صمود هش أمام التغيرات المناخية
على الرغم من هذا الثراء، يعيش قطاع المشمش اليوم حالة من الاستنزاف. فالثمرة شديدة التأثر بالعوامل المناخية، وقد أدى تواتر سنوات الجفاف، والارتفاع القياسي في درجات الحرارة، إلى تراجع مخيف في جودة المياه وكمياتها.
وحسب تقارير رسمية صادرة عن المندوبية الجهوية للتنمية الفلاحية بالقيروان، فإن شح المياه في السدود الثلاثة الكبرى (سد نبهانة، سد سيدي سعد، وسد الهوارب) والتي وصلت في فترات كثيرة إلى مستويات حرجة تقارب الصفر، تسبب في عطش وجفاف مساحات شاسعة من الأشجار المثمرة، وتحديداً في معتمدية السبيخة.
يؤكد أحد الخبراء في المعهد الوطني للزراعات الكبرى أن: “تراجع صابة المشمش في المواسم الأخيرة لم يكن مجرد أزمة دورية، بل هو مؤشر هيكلي على تأثير الإجهاد المائي والحراري على الأشجار، مما أدى إلى تضرر سلاسل القيمة، بدءاً من الفلاح الصغير وصولاً إلى مسالك التوزيع والتصدير.”
جغرافيا المهرجان: ارتحال يكشف عمق الأزمة
ارتبط تسليط الضوء على هذا المنتج بـ “مهرجان المشمش”، الذي عاش بدوره مساراً مضطرباً يعكس تماماً هشاشة القطاع. فقد انطلق المهرجان في بداياته من معتمدية “السبيخة” (التي كانت تعتبر قلعة المشمش)، ثم انتقل لاحقاً إلى مدينة القيروان بحثاً عن إشعاع أكبر وهروباً من نقص التمويل المحلي، قبل أن يختفي تماماً لسنوات، ليعود ويبعث من جديد في معتمدية “حاجب العيون منذ أربعة أعوام ويواصل الصمود امام الصعوبات ببرمجة ثرية ومشاركة متعددة.
تحت شعار التنمية المستدامة والترويج للمنتوج المحلي، تنطلق فعاليات الدورة الرابعة للمهرجان الدولي للمشمش بحاجب العيون بولاية القيروان، والتي تمتد من 14 إلى 17 ماي 2026. ويعد هذا المهرجان تظاهرة كبرى تهدف إلى تثمين قطاع المشمش الذي يعد ركيزة أساسية للاقتصاد المحلي، وربطه بالمسارات السياحية والثقافية في المنطقة.
تستهل الدورة فعالياتها ببرنامج ثري تنوع بين التكوين والاحتفال، حيث تحتضن دار الشباب بحاجب العيون دورات تدريبية للصحفيين حول “صحافة القرب” لإنتاج محتوى يبرز قصص النجاح في قطاع المشمش. كما ينتظر ان يشهد اليوم الافتتاحي استعراضاً شعبياً “كرنفالياً” يجوب شوارع المدينة، ويعكس التنوع الفلكلوري وفنون الفروسية التقليدية، وصولاً إلى المراسم الرسمية للافتتاح.
وعلى الصعيد التنموي، يشهد المهرجان عقد ندوات علمية وجلسات تفكير تشاركية تناولت محاور استراتيجية، منها “تطوير منظومة المشمش كركيزة للنهوض بالاقتصاد المحلي”، وسبل الاستثمار وآفاق تأسيس الشركات الأهلية والتعاونية، مع تسليط الضوء على دور الذكاء الاصطناعي في تعزيز الإنتاج الإعلامي الفلاحي.

المشمش.. مسرح للسياحة الإيكولوجية
بمناسبة المهرجان ينتظر ان تتحول حقول المشمش بالمنطقة (الشواهنية، الجديعات، والعنيزات)، وفق البرمجة إلى مسارح سياحية وثقافية، تستقبل الوفود السياحية في “جولات إيكولوجية” ترافقها عروض للفرسان باللباس التقليدي الأصيل. كما تحتضن الحقول حصص تصوير لملكات الجمال للترويج للسياحة الداخلية، ومسابقات للدراجات الهوائية، وورشات فنون تشكيلية للأطفال.
أبعاد اقتصادية واجتماعية
لم يغفل المهرجان الجانب التجاري، حيث سيتم تنظيم “سوق المشمش من المنتج إلى المستهلك”، ومعرضا للآلات والمعدات الفلاحية وتقنيات الري الحديثة والطاقة الشمسية. كما يقام بالمناسبة معرض اقتصادي للصناعات التقليدية والحرف اليدوية، ومسابقات في الأكلة الشعبية المرتكزة على المشمش، بما يتيح فرصة هامة للمنتجين والحرفيين للتعريف بمنتجاتهم خصوصا الشركات التعاونية وشركات الاقتصاد الاجتماعي التضامني.
سهرات فنية ومعارض توثيقية
تتزين ليالي المهرجان بسهرات فنية متنوعة بالمنتزه البلدي، يحيها ثلة من المبدعين مثل الفنان أنيس اللجمي، بالإضافة إلى سهرات الشعر الشعبي وعروض “البارود”. كما تحتضن دار الثقافة معارض للصور الفوتوغرافية وورشات رسم متخصصة في المعمار القديم للمدينة، احتفالاً بشهر التراث.
يختتم المهرجان فعالياته يوم الأحد 17 ماي، بجولة صحفية كبرى تهدف إلى تثمين الصناعات الغذائية والتحويلية للمشمش، وعرض فلكلوري لمجموعة “القستيل” بقرنة، ليكون المهرجان بذلك قد نجح في خلق حركية اقتصادية وثقافية واسعة، واضعاً “حاجب العيون” على خارطة المهرجانات الدولية المتخصصة ويدمج جملة من الابعاد الثقافية والاقتصادية والاجتماعية وأيضا الإعلامية من خلال ورشات التكوين الصحفي في صحافة الموبايل والذكاء الاصطناعي.



