ليبيا-تونس
تقديم خبير الأرصاد الجوية الأستاذ علي ميلاد ابوخريص
من خلال الحوار الذي دار بيني وبين الأستاذ عبد العزيز الزني، مؤلف كتاب درنة الساقية، والذي يتناول التاريخ الاجتماعي لمدينة درنة وسكانها، زودني بالمعلومات الآتية:
ذكر الأستاذ عبد العزيز أن وادي درنة شهد عبر سنوات عديدة ارتفاعًا في منسوب المياه وحدوث فيضانات متكررة، وهو ما كان يسمعه من السابقين، إلا أنه عاصر بنفسه فيضان عام 1959. وقد أسفر ذلك الفيضان عن وفاة ثمانية أفراد من عائلة واحدة هي عائلة بوبيضة.
وأوضح أن الزراعة في درنة قديمًا كانت تعتمد على نظام السواقي، وكان معظم المزارعين يقومون بري بساتينهم ومزارعهم دون الإقامة فيها أو تعميرها، إذ كانت تستخدم أساسًا للأغراض الزراعية.
وبعد أحداث فيضان عام 1959 صدر قرار ملكي يمنع البناء على ضفتي وادي درنة، بحيث تكون مسافة البناء المسموح بها على جانبي مجرى الوادي مائة متر من كل جهة. إلا أنه بعد عام 1969 شهدت المدينة توسعًا عمرانيًا متسارعًا، وخلال ذلك التوسع حدثت تجاوزات واضحة لهذا القرار في ظل ضعف الرقابة من الجهات المختصة، الأمر الذي ساهم لاحقًا في زيادة حجم الكارثة.
وأشار إلى أن وادي درنة الرئيسي تصب فيه أكثر من خمسة أودية فرعية، وأن السدين كانا بحاجة إلى أعمال صيانة دورية منذ سنوات طويلة. ويرى أن انهيار السدين كان السبب المباشر للكارثة، وأن استمرار وجودهما وصيانتهما كان كفيلًا بالتخفيف من آثار السيول.
ويمتد وادي درنة من الغرب إلى الشرق بطول يقارب 74 كيلومترًا، ويبلغ أعلى ارتفاع في حوضه نحو 860 مترًا فوق سطح البحر. كما تبلغ مساحة الحوض المغذي للوادي نحو 540 كيلومترًا مربعًا تقريبًا. وتبلغ مساحة حوض سد أبو منصور نحو 457 كيلومترًا مربعًا، بينما تبلغ المساحة الواقعة بعد السد نحو 97 كيلومترًا مربعًا.
وتصل السعة التخزينية لسد أبو منصور إلى نحو 22.5 مليون متر مكعب، في حين تبلغ السعة التخزينية لسد البلاد نحو 1.5 مليون متر مكعب. ويقع سد أبو منصور على بعد نحو 12 كيلومترًا من مدينة درنة، بينما يقع سد البلاد على مسافة أقرب إلى المدينة.
وأضاف أن كمية المياه التي تجمعت خلف السدين تجاوزت في فترة من الفترات 100 مليون متر مكعب، وأن الطاقة الاستيعابية للسدين كانت محدودة، مما أدى إلى فيضان المياه وتزايد الضغوط على جسمَي السدين.
ويرى الأستاذ عبد العزيز أن ما حدث في درنة كان نتيجة أمطار غزيرة مصحوبة برياح قوية، وأن سرعة الرياح المسجلة في المنطقة لم تتجاوز 40 عقدة بحرية، أي ما يعادل نحو 74 كيلومترًا في الساعة، وفق المعادلة:
40 × 1.852 = 74 كيلومترًا في الساعة.
وأشار إلى أن وسائل إعلام محلية ودولية أطلقت في البداية على ما حدث اسم “إعصار درنة” أو “إعصار دانيال”، ثم جرى لاحقًا استخدام مصطلح “عاصفة دانيال”، وبعد ذلك وُصفت الحالة الجوية بأنها “عاصفة مطرية”. وهو يتمسك برأيه بأن الوصف الأدق للحالة الجوية هو: “رياح قوية مصحوبة بأمطار غزيرة”، مؤكدًا أن التوصيفات الجوية ينبغي أن تستند إلى المعايير العلمية المعتمدة في علم الأرصاد الجوية.
وأوضح أن الإعصار، وفق التعريفات المتداولة في الأرصاد الجوية، يتميز بسرعات رياح مرتفعة جدًا تتجاوز حدودًا معينة، بينما تختلف العواصف في تصنيفاتها بحسب سرعة الرياح وطبيعة النظام الجوي المصاحب لها.
كما أكد أن وادي درنة يشهد جريانًا للمياه بشكل شبه سنوي خلال مواسم الأمطار دون تسجيل خسائر كبيرة، وأن كميات الهطول تختلف من عام إلى آخر تبعًا للدورات المناخية الطبيعية. وتاريخ المدينة يشهد بوقوع فيضانات سابقة قبل كارثة عام 2023.
وأضاف أن سكان درنة كانوا يملكون بساتين ومزارع يزرعونها دون الإقامة فيها، وأن الزراعة التقليدية كانت تعتمد على السواقي، فضلًا عن أن طبيعة التربة الطينية الخصبة كانت تساعد على إنتاج مختلف المحاصيل الزراعية.
ويرى أن الإهمال وضعف الصيانة والبناء العشوائي على ضفتي الوادي كانت من بين العوامل التي ساهمت في وقوع الكارثة.
ومن خلال اطلاعي على كتاب درنة الساقية اخترت عبارة: “درنة بحر وجبل ووادٍ وشلال“ لتكون عنوانًا لهذه الورقة، بعد استئذان الأستاذ عبد العزيز الزني.
كما نقل الأستاذ عبد العزيز أن من عادات أهل درنة في إكرام الضيف اصطحابه لزيارة شلال درنة، باعتبار ذلك جزءًا من تقاليد الضيافة المتوارثة في المدينة.
وقبل سقوط السدين تواصلت مع الأستاذ فرج الزايط، مدير مكتب الأرصاد الجوية بالمنطقة الشرقية آنذاك، فأبلغني أن سرعة الرياح في مناطق الشرق الليبي لم تتجاوز 40 عقدة، وأن أياً من محطات الرصد الجوي لم تسجل سرعات أعلى من ذلك.
ومن هذا المنطلق يرى عدد من المختصين الذين تم التواصل معهم أن الحالة الجوية كانت عبارة عن رياح قوية مصحوبة بأمطار غزيرة، وليست إعصارًا بالمعنى العلمي الدقيق للمصطلح.
كما أشار الكاتب إلى الأستاذ محمد بشير فرحات، أحد أقدم المتنبئين الجويين في ليبيا، والذي كان له دور كبير في توجيهه وتدريبه في مجال الأرصاد الجوية. ويذكر أنه كان من أوائل من تواصلوا معه قبل وقوع الكارثة، وأكد له صحة التحليلات التي كان يطرحها آنذاك.
كذلك أكد الأستاذ محمد عصمان، رئيس وحدة التلقين بمطار معيتيقة، خلال اتصال هاتفي، صحة عدد من المعلومات المناخية الواردة، مشيرًا إلى أنها مثبتة في السجلات المناخية الرسمية.
كما أكد الأستاذ عفيف علي عون، المتخصص في الأرصاد البحرية وعضو هيئة التدريس سابقًا في عدد من المؤسسات الأكاديمية البحرية الليبية، صحة العديد من البيانات المتعلقة بالحالة الجوية، وزود الباحث بمعلومات تخص ارتفاع الأمواج خلال تلك الفترة.
وفي الختام، تجدر الإشارة إلى أن بعض المصطلحات المرتبطة بالأعاصير والعواصف لها جذور لغوية وتاريخية متعددة، وأن توصيف الظواهر الجوية ينبغي أن يستند إلى البيانات العلمية والرصدية المعتمدة، بعيدًا عن المبالغات الإعلامية أو الاستخدام غير الدقيق للمصطلحات.




