تحقيق الباحث في علم الاجتماع، ناجح الزغدودي
تستعد ولاية القيروان، هذه الفترة لموسم جني زيتون واعد، باعتبار الجهة رائدة إنتاج الزيتون في تونس ومنصة تجميع الزيت الموجه للتصدير. حيث تشير التقديرات إلى صابة قياسية متوقعة تبلغ 248 ألف طن من الزيتون، أي ما يعادل نحو 52 ألف طن من زيت الزيتون. هذه الأرقام، التي أكدتها المندوبية الجهوية للتنمية الفلاحية بالقيروان، تعبر عن مساهمة الولاية بـ 12%من الإنتاج الوطني، مع استغلالها حوالي 200 ألف هكتار من غابات الزيتون.
يحوز قطاع انتاج وتصدير زيت الزيتون في القيروان على أهمية كبرى من ناحية كمية ومن ناحية الجودة. وتحقق ولاية القيروان نتائج مميزة في مسابقات جودة الزيت عالميا خصوصا معتمدية بوحجلة وتحقق موارد كبرى من وراء التصدير رغم المشاكل الهيكلية لقصية التصدير.

ورغم الوفرة المتوقعة لـزيت الزيتون الملقب ب”الذهب الأصفر”، وما يفتحه من آفاق التصدير ومداخيل العملة الصعبة والحركية الاقتصادية والاجتماعية، يواجه القطاع في القيروان تحديات بيئية كبيرة مصدرها فواضل معاصر الزيتون من سوائل المرجين الضخمة وتأثيراتها البيئية على المائدة المائية امام عمليات السكب العشوائي والتخزين غير المطابق للمواصفات واستنزاف الموارد المائية في ظل التغيرات المناخية التي تزيد الأمور البيئية تعقيدا.
في معتمدية بوحجلة، التي تعتبر قطبا وطنيا لإنتاج زيت الزيتون وتصديره، سواء من ناحية مساحات الزيتون او بفضل تواجد حوالي 100 معصرة زيتون تنشط في عمليات عصر الزيتون والتي أصبحت منذ سنوات قبلة الاف الفلاحين من مختلف الجهات. وكنتيجلة لذلك هذه المعاصر، التي تستهلك كميات كبيرة من المياه، تطرح في المقابل كميات كبيرة، اكبر من أي جهة أخرى، فواضل المرجين السائلة الملوثة، التي تتحول الى معضلة بيئية مقلقة للفلاح وأصحاب المعاصر والسكان ووكالة حماية المحيط والخبراء ونشطاء المجتمع المدني، من اجل إيجاد توازن بين الثورة التي تهديها البيئة الطبيعية لرجال الاعمال والفواضل التي يهدونها هم للبيئة، وضمان استدامة بيئية وتنمية شاملة.
وسط أحواض كبيرة سوداء وسط ارض ممتدة بسهل القيروان، يقف الباحث في الكيمياء الشاب، يتأمل مصبات سوائل المرجين التي تم سكبها الموسم الفارط وهي لا تزال تملأ الاحواض، وهو في حيرة من امره تجاه الاحواض التي تحاصره من كل الجهات “أين سيتم سكب الاطنان الجديدة من هذه الفواضل السامة لهذا الموسم وكيف يمكن حماية التربة والموارد المائية من اضرارها السامة”.
منذ سنوات، مع اقتراب موسم جني الزيتون، ينشغل الباحث الشاب لطفي الغريبي، الحائز على الدكتوراه في الكيمياء، بقضية البيئة وتأثيرات سوائل المرجين الوافرة التي يتم سكبها على الطرقات وتخزينها في احواض بعضها عشوائي وبعضها يفتقد الى الشروط البيئية، مسخرا معارفه وخبرته لمساعدة أصحاب المعاصر والفلاحين من جهة في طرق تخزين هذه المادة وحسن تثمينها من جهة وحماية البيئة والدفاع عن حق المواطن في بيئة سليمة من جهة ثانية، بمسقط رأسه بمعتمدية بوحجلة التي تعتبر اكبر قطب فلاحي في انتاج وتحويل زيت الزيتون والتي حازت على جوائز وميداليات عالمية في جودة الزيت.
يوثق الباحث الغريبي، جملة من البيانات والاختبارات حول فواضل المرجين كما يوثق جملة التجاوزات الحاصلة والعوامل التي أدت الى ظهور ازمة بيئية ناجمة عن هذه السوائل الضارة في منطقة بوحجلة دون سواها من مناطق الجمهورية. ومن بين عناصر التشخيص التي سجلها الغريبي، يعتبر العدد الكبير لمعاصر زيت الزيتون بمنطقة بوحجلة البالغ عددها حوالي 100 معصرة يجعلها وجهة كبرى للفلاحين والتجار لتحويل أطنان الزيتون الى زيت. وتبعا لذلك فان افرازات هذه المعاصر من مادة المرجين تكون بكميات كبيرة تحول هذه المخلفات الى كابوس بيئي يشغل الجميع بما في ذلك الإدارات الجهوية والمركزية بسبب حجمها وحجم اضرارها.
“قضية المرجين، قضية قديمة متجددة ومنذ 10 سنوات ما تزال تمثل نقطة سوداء نسعى لايجاد حلول لها بالشراكة مع المجتمع المدني ومسؤولي الفلاحة والجهات المختصة ونقدم لهم المعلومات الدقيقة ولكن التفاعل ما يزال ضعيفا والاستجابة تكاد تكون منعدمة ولا اسمع ال صدى صوتي”، يقول الباحث الغريبي في حديثه عن حزمة الحلول التي يقدمها من خلال ندوات وملتقيات وجلسات مع الجهات المعنية.
معاصر زيتون تخزن فواضل المرجين
ويلخص مشاكل فواضل المرجين في جملة من النقاط أولها التراخيص المسندة للمعاصر التي لا يستجيب اغلبها للشروط البيئية او أولوية تقليل استهلاك الماء الذي يتحول الى فضلات سائلة تحمل مكونات “الفينولا” السامة التي تضر بالتربة وتنفذ الى المائدة المائية الى ظلت راكدة.
النقطة الثانية تتمثل في كون مخازن المعاصر أي المصبات المخصصة للمرجين غير مهيأة ولا مراقبة ولا يتم إعطاء أهمية للجانب البيئي عند الاستثمار في مشروع احداث معصرة.
اما النقطة الثالثة فتتمثل في ان عشرات المعاصر التي تفرز يوميا اطنانا من المرجين تقدم على عمليات السكب العشوائي للفواضل بكميات كبيرة في أماكن غير مرخصة ولا مهيأة ولا مراقبة وتسكب على حواشي الطرقات كما تسكب في ضيعات فلاحية بشكل عشوائي. وتتم العملية بشكل سري ومخالف للقوانين التي يتم الإعلان عنها وتراوغ الرقابة الأمنية والبلدية.
يلاحظ السيد الغريبي، ان المستثمرين في قطاع زيت الزيتون يقدمون في نقاشاتهم واستثماراتهم فعل النجاعة والربح من خلال الحديث عن قروض التصدير ومنح التسويق وامتيازات التعليب والترويج وصفقات كراء الضيعات (تخضير) على القضية البيئية وعلى قضية الموارد المائية.
مصب اللبية ببوحجلة…من مصب للنفيات الى مصب للمرجين
استنزاف مائي في ظل حالة الشح !
تستهلك معاصر الزيتون القديمة كميات كبيرة من الماء الصالح للشرب. ووفق تصريح لصحاب معصرة زيتون (شكري العمري) فان معدل افراز طن واحد من الزيتون يتراوح بين 550 و650 كلغ من المرجين. وتختلف كمية المرجين باختلاف نوعية الزيتون وجودته وطريقة العصر. في حين يستهلك غسل طن من الزيتون حوالي 150 لتر من الماء. علما وانه يتم تجديد الماء على امتداد 24 ساعة ضمن حصص ويصل استهلاك معصرة واحدة يوميا من الماء ألفي لتر. ما يعني ان عملية عصر الزيتون تستهلك من جهة كميات كبيرة من المياه وتفرز في المقابل سوائل المرجين التي يتم تصريفها بالتوازي ضمن احواض واحدة في بعض المعاصر في حين يمكن الفصل بين المسلكين وإعادة رسلكة مياه غسل الزيتون.
وتعاني منطقة بوحجلة من أزمة مائية لاسباب هيكلية وبنية تحتية تزيدها التغيرات المناخية تعقيدا في مسالة الشح المائي. غير ان هذا البعد البيئي على أهميته، يتم اقصاؤه في مناقشات الاستثمار واحداث معاصر زيتون. حيث ان كميات المياه المستهلكة هي التي ستصبح سوائل مرجين سامة لاحقا.
سوائل المرجين تعادي البيئة؟
تُمثل مخلفات عصر الزيتون السائلة (المرجين) التحدي الأكبر للبيئة والمجتمع في ولاية القيروان. ويشدد الخبراء البيئيون وبينهم الباحث لطفي الغريبي على أن هذه المادة ليست مجرد فضلات، بل “قنبلة بيئية” بسبب تركيبتها الكيميائية التي تجعلها شديدة التلوث:
سواء من ناحية الطبيعية السمية جراء احتواء مادة المرجين على تراكيز عالية من المركبات الفينولية (البوليفينول)، وهي مواد عضوية سامة ومقاومة للتحلل البيولوجي. هذا يمنع تنفس التربة ويُعيق عمل الكائنات الدقيقة المفيدة، مما يؤدي إلى تدهور خصوبتها، وفقًا للعديد من الدراسات في مجال العلوم البيئية.
الخطر الثاني يتمثل في خطر تلوث المياه وهو ما تُحذّر منه الأبحاث الفنية بسبب أن المرجين يمتلك قدرة تلوثية كبيرة. حيث تُشير بعض الإحصائيات إلى أن لتراً واحداً من المرجين يمكن أن يلوث 1000 لتر من الماء العذب، متجاوزاً بذلك بكثير التأثير التلوثي لمياه الصرف الصحي المنزلية. وعند سكب المرجين في احواض غير مهيأة تتسرب هذه المادة إلى المائدة المائية وتهدد بشكل مباشر مصادر مياه الشرب والري في مناطق مثل بوحجلة التي تواجه صعوبات بيئية ومناخية.
ويتمثل الخطر الثالث في الحموضة العالية لإفرازات المرجين التي تتراوح حموضتها بين 3.2 و 5.5، وهي حموضة عالية كافية لتدمير الغطاء النباتي وتغيير التركيبة الكيميائية للتربة.
من جهة ثانية يؤكد الخبراء الزراعيون أن ظواهر الجفاف وارتفاع الحرارة تؤثر على التركيبة الكيميائية لثمار الزيتون. هذا الإجهاد المناخي لا يؤثر فقط على كمية الزيت المستخلصة، بل على جودته، وينعكس هذا التغيير على تركيبة المرجين الناتج، مما يزيد من صعوبة معالجته وتثمينه.
مصب للمرجين في منطقة الشوايحية بالشراردة
ومن أجل هذه الأسباب يحرص الباحث الغريبي من خلال نشاطها الميداني وعبر شراكة مع الفاعلين البيئيين مثل وكالة حماية المحيط ومنظمات حقوقية بيئية مثل المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية من اجل تفسير الظاهرة شرح العناصر العلمية لفائدة المتدخلين ويقترح الحلول التي يلخصها في تشديد المراقبة على سكب فواضل المرجين الى جانب خطوات عملية يجب ان ينخرط فيها أصحاب المعاصر والفلاحين والتجار.
تُعد معاصر الزيتون جزءا لا يتجزأ من النسيج الاقتصادي والاجتماعي في تونس ولها دور مهم وفاعل وبالتالي وجب تأطيرها لكونها مثل غيرها من المنشآت الصناعية، تواجه تحديات بيئية ملحة، أبرزها إدارة وتصريف فواضل عصر الزيتون، وعلى رأسها مادة المرجين.
لتنظيم هذه العملية الحساسة، تفرض التوجيهات البيئية على أصحاب المعاصر اتخاذ إجراءات وقائية محددة. تتمثل هذه الإجراءات في ضرورة إقامة أحواض ترسيب عازلة بشكل فعال، تمنع تسرب المرجين إلى البيئة المحيطة، وتضمن معالجته الأولية قبل أي تصريف. يجب أن تُصمم هذه الأحواض وفق مواصفات فنية دقيقة، مع الأخذ في الاعتبار حجم الإنتاج اليومي للمعصرة وقدرة الأحواض على استيعاب المرجين.
الفصل 9 : يلتزم صاحب الوحدة أو طالبها بتجهيز وحدته بأحواض غير نافذة قادرة على استيعاب على الأقل كمية مادة المرجين الصادرة عن نشاط وحدته لمدة أسبوع ، وبتوفير صهاريج مخصصة للغرض لإفراغ المرجين ونقلها بصفة دورية إلى مصب مرخصا فيه ومهيئ للغرض أو التعاقد مع شركة مختصة في المجال.
كما يتعهد صاحب الوحدة أو طالبها بصيانة الأحواض وخاصة إصلاح التشققات التي يمكن أن تحدث بها إضافة للتنظيف الدوري لها.
الفصل 10: يتعهد صاحب الوحدة أو طالبها بتجميع مياه غسل الزيتون ومياه سيلان الفيتورة بحوض غير نافذ وربطه بحوض تجميع المرجين.
علاوة على ذلك، يشدد كراس النماذج على أهمية المعالجة اللاحقة للمرجين، والتي قد تشمل التبخير الطبيعي في أحواض واسعة وضحلة لتقليل الحجم وتركيز المادة العضوية، أو اللجوء إلى تقنيات معالجة أكثر تطورًا لاستغلاله كمخصب عضوي أو مصدر للطاقة الحيوية. يتطلب ذلك متابعة دورية لجودة التربة والمياه المحيطة بالمعصرة، والتأكد من عدم تجاوز مستويات التلوث للحدود المسموح بها. إن الالتزام بهذه الشروط ليس فقط لتفادي العقوبات، بل هو استثمار في صحة البيئة والمجتمع المحلي، ويعزز صورة القطاع الزراعي التونسي كنموذج للاستدامة والمسؤولية البيئية.
إن الامتثال للتدابير الوقائية والشروط التنظيمية، كما يحددها كراس النماذج التقليدية، ليس مجرد التزام قانوني، بل هو ضرورة حتمية لضمان استدامة هذا القطاع وحماية البيئة. من اجل ضمان فاعلية هذه الشروط، ينص نفس الكراس على دور المراقبة البيئية والتواصل بين أصحاب المعاصر ووكالة حماية المحيط بصفتها الجهة المخولة بالمصادقة على جميع الأنشطة ومراقبة سير العمليات وتستتبع عملية المراقبة إجراءات قانونية ردعية.
وفق ما ينص عليه الفصلان 17 و18 من كراس الشروط:
الفصل 17
يلتزم صاحب الوحدة أو طالبها بإعلام الوكالة الوطنية لحماية المحيط بكل تغيير مزمع إدخاله على البيانات المصرح بها.
الفصل 18
يتولى الخبراء المراقبون التابعون للوكالة الوطنية لحماية المحيط مراقبة تطبيق واحترام مقتضيات كراس الشروط هذا2.
يبدو جليا أن القوانين وحدها لا تكفي لحل أزمة فواضل المرجين خصوصا اذا كانت عمليات المراقبة غير منضبطة ولا صارمة لضمان حماية البيئة والمحيط. مما يستوجب إيجاد اليات اتصالية وعمليات توعية للفلاحين وأصحاب المعاصر لضمان تنمية مستدامة ونظيفة تضمن النشاط الاقتصادي من جهة وتضمن حماية المقدرات البيئية ومن جهة ذهنية لجسر الهوة بين الغاية الربحية للمستثمرين كأصحاب رأسمال والحق في البيئة كحق مشترك.
وفي هذا الصدد يقترح الباحث والناشط لطفي الغريبي ان ضمان بيئة مستدامة يفرض ما وصفه بقوة رادعة لتطبيق القانون والزام المخالفين باحترام كراس الشروط واقتراح قرارات زجرية. كما يقترح احداث مصبات مراقبة مستشهدا بتجربة بلديتي بوحجلة والشوايحية (معتمدية الشراردة) في تخصيص مصبات مراقبة لفائدة المعاصر لسكب المرجين. وشدد على ان تكون هناك صرامة في موصفات المصبات المراقبة لتكون مهيأة ووفق موصفات فنية على غرار عوازل لمنع تسرب المرجين الى التربة.
كما اقترح ان تتم مراقبة عمليات تصريف المرجين منذ خروجه من المعاصر الى حين سكبه في المصب قصد منع سكبه في الطرقات وضيعات الغير. ودعا من جهة ثانية الى تكثيف اللقاءات مع الفاعلين والمتدخلين في القطاع فضلا عن تشريك منظمات المجتمع المدني خصوصا المنظمات الوطنية مثل اتحاد الفلاحين واتحاد الصناعة والتجارة لأهمية دورهم كهايكل مهنية. وأيضا تكثيف البحث العلمي والاعتماد على خبراء متخصصين وايلاء اهتمام بالبيئة مثل الاهتمام الذي حازه هاجس التصدير.
“هناك حلا لهذا المشكل” يقول الغريبي كأنه يطلق صرخة غاليلي “وجدتها” ويتمثل في اعتماد أصحاب المعاصر تكنولوجيا صديقة للبيئة من خلال استخدام تقنيات عصر زيتون تكون اقل استهلاكا للماء ضمن كراس الشروط. معتبرا ان هذه التقنية أصبحت الزامية في أوروبا. وعلى سبيل المثال يعتبر انتاج اسبانيا من زيت الزيتون اضعافا كثيرة مقارنة بتونس ولكن لا تطرح لديها قضية المرجين. واكد ان هناك عدة تجارب تقنية اثبتت إمكانية استخراج زيت زيتون بيولوجي بجودة عالية بتقنيات متوفرة.
واقترح على الجهات المعنية أن يتم ربط إسناد التراخيص بإنشاء معاصر جديدة بشرط اعتماد هذه التكنولوجيا وان تضمن في كراس شروط يتم تحيينه وتحميل المعاصر الملوثة مسؤولية جزائية وقيمية للحد من فكر التربح السريع على حساب البيئية.
من جهة يتحدث الخبير الغريبي، عن حلول فنية لتثمين مادة المرجين واستعمالها كأسمدة من خلال رش كميات من المرجين بشكل دقيق في الضيعات حيث تُعد مادة المرجين سمادا طبيعيا غنيا بالمواد العضوية والعناصر السمادية، واستغلالها في تسميد أشجار الزيتون هو أحد أهم الحلول المتبعة لتثمينها.
هذه الفواضل يجب أن يتم استخدامها وفقا لـشروط علمية وفنية دقيقة لتفادي أي آثار سلبية على البيئة أو التربة. من ذلك يجب أن تتراوح الكميات المسموح برشها بين 50 و 100 متر مكعب في الهكتار (100م³/هكتار كحد أقصى) لتجنب التأثير على حموضة التربة أو الملوحة أو كمية المواد الفينولية فيها. يجب أن تكون الأرض رملية لمساعدة المرجين على النزول، ويجب أن تكون بعيدة عن مناطق العمران. كما يجب ألا تكون الأرض منحدرة. ولا يُسمح باستخدام المرجين في الأماكن القريبة من الأودية أو مصادر المياه أو المائدة المائية القريبة.ُنصح بالقيام بعملية الحراثة مباشرة بعد رش المرجين لتجنب تعرضه لأشعة الشمس برشا، وللحد من الروائح الكريهة.

يمكن تثمين المرجين عن طريق معالجته واستخراج البيوغاز
biogaz منه، والذي يُعد مصدراً جديداً ومتجدداً للطاقة. تُعتمد تكنولوجيا التخمّر اللاهوائي للمخلفات السائلة مثل المرجين. ينتج عن هذه العملية خليط من الغازات، يمثل غاز الميثان فيه نسبة (50-70%). أما المخرجات الثانوية بعد إنتاج الغاز، يتبقى سماد عضوي جيد غني بالمواد العضوية والعناصر السمادية والهرمونات النباتية.
يختم الباحث الغريبي حديثه حول اليات التصدي لمشاكل المرجين بالتأكيد على لزامية إعطاء المسالة البيئية اهتماما إداريا وتشريعيا واكد ان المستثمر أيضا هو مطالب بإيجاد حلول من خلال تخصيص مخصصات مالية للجانب البيئي لان البيئة هي ضامن استدامة الثروة والاستثمار.
خطة جهوية لتطويق الأزمة
تعمل وكالة حماية المحيط وفق القوانين المنظمة لدورها وبياناتها وانشطتها على مراقبة معاصر الزيتون وعملية سكب المرجين وتصريف فواضل الفيتورة وتضبط سجلا رقابيا. وهي مادة قابلة للرسكلة والتصنيع. وتؤكد على ضورة احترام القوانين.
وفي محاولة لتطويق الأزمة قبيل ذروة الموسم، ترأس والي القيروان، ذاكر البرقاوي، يوم 10 سبتمبر 2025، جلسة عمل أكد فيها على ضرورة وضع خطة عاجلة لمسالة المرجين شملت إيجاد حلول للمصبات من خلال توفير مساحات من قبل أصحاب المعاصر، بالإضافة إلى إعادة فتح مصب اللّبية ببوحجلة، واستغلال أراضٍ تابعة للدولة كمصبات جماعية مرخصة.
كما اكدت الجلسة على إلزامية تثمين المرجين والتشديد على اعتماد نظام الرش وفق المعايير الفلاحية العلمية. من جهة ثانية تم التأكيد على ضرورة تشديد المراقبة على أي سكب عشوائي للمرجين وتطبيق العقوبات الرادعة لضمان حماية البيئة والمحيط.
لا تبدو قضية فواضل المرجين قضية محلية حصرية بولاية القيروان، بل تعد المنطقة عينة لقضية وطنية تحتاج الى معالجة وحكامة من خلال التشريعات والرقابة والوعي وتشريك الخبراء والمجتمع المدني والصرامة في تطبيق القانون وحماية البيئة وفق مقاربة تنموية مستدامة.
في القيروان التي يمكن ان تعد عاصمة للذهب الأصفر بتصدرها الإنتاج وحجم غابة الزياتين، يبدو ان الرهان الاكبر اليوم ليس في تحقيق رقم قياسي في الإنتاج فحسب، بل في إدارة هذا الإنتاج بشكل مستدام يضمن حماية البيئة وصحة المجتمع، بعيداً عن افضلية الربح على الحقوق البيئية والصحية وبعيدا عن الحلول الوقتية، ومع الأخذ بالاعتبار نصائح الخبراء ومقترحاتهم في معالجة الازمة وتوعية المتدخلين وأيضا الاخذ بعين الاعتبار بتحديات التغير المناخي الذي اصبح تاثيره ملحوظا على صابة الزيتون من خلال تقديم مواعيد جني الزيتون وانضاج الثمار وأيضا من خلال التاثير في العناصر الكيميائية للزيتون وفواضله السائلة على وجه الخصوص التي تعتبر تحديا بيئيا امام وفرتها ووفرة استهلاك معاصر الزيت التقليدية للمياه واستنزاف الموارد المائية.


