قراءة في كتاب “تونس العطشى”، الصحافة الاستقصائية وسؤالي الحق في المعرفة والعدالة البيئية

 

قراءة: ناجح الزغدودي، صحفي وباحث في الاجتماع

في ظل ما تشهده البلاد التونسية من تحديات بيئية تمس مواردها الطبيعية تحت وطأة التغيرات المناخية وتواتر سنوات الجفاف وتفاقم أزمة #الشح_المائي التي تعصف بالبلاد للعام السادس على التوالي، تم خلال سهرة رمضانية حوارية مساء الجمعة 6 مارس، تقديم كتاب “تونس العطشى”، وهو عمل صحفي استقصائي نوعي صدر بالشراكة بين “مؤسسة فريدريش ناومان” وموقع “الكتيبة” للصحافة الاستقصائية ومناقشة محاور الكتاب الذي يجمع بين كونه وثيقة صحفية استقصائية من الطراز الرفيع. يضم الكتاب 7 تحقيقات معمقة تشرح أزمة المياه في تونس بأسلوب يجمع بين الدقة العلمية والسرد الصحفي الميداني. وبين كونه ثيقة بيئية وحقوقية بالغة الأهمية.

من خلال محاور الكتاب السبع، التي جابت افقيا وعموديا مختلف الإشكاليات المائية وفي اكثر من جهة في البلاد، يغوص الكتاب وكتابه، في أعماق التحديات المائية والمناخية التي تواجهها تونس، وينقل النقاش من خانة “غضب الطبيعة” إلى نقاش “الحوكمة” والعدالة البيئية المفقودة.

 

عطش وسط الوفرة

ينطلق “تونس العطشى” كما يشير عنونه الرمزي من إشكالية يمكن وصفها كونها مفارقة واقعية صارخة بين معطيات تشير من جانب الى ندرة مائية هيكلية تواجهها البلاد التونسية (أقل من 400 متر مكعب للفرد سنويا)، ومن جانب مقابل تبدو هذه الندرة لا تتوزع بشكل عادل بين الافراد والجهات. لتكشف تحقيقات الكتاب كيف يتم توجيه المياه نحو “اللوبيات” الاقتصادية والزراعات التصديرية، بينما تُحرم التجمعات السكنية الريفية من أبسط حقوقها الدستورية في الماء الصالح للشرب.

فبينما يواجه المواطن البسيط في ولاياتٍ كالقيروان وسيدي بوزيد انقطاعات متكررة وحادة في مياه الشرب، تُستنزف الموائد الجوفية بلا هوادة في زراعات تصديرية مستنزفة للمياه، وتتوسع فيها شركات تعليب المياه المعدنية على حساب الأمن المائي للمناطق الريفية المحيطة بها.

مع اشتداد الحر.. خارطة العطش تتسع في «تونس الخضراء» (صور) - زاجل

يفكك الكتاب من خلال محاوره المتعددة، أن التغيرات المناخية، رغم حدتها وتأثيرها في تراجع إيرادات السدود وتملح الموائد الجوفية، ليست المسؤول الوحيد عن “العطش التونسي”؛ فالمشكلة الحقيقية تكمن في غياب “العدالة البيئية”

حيث يكشف الكتاب كيف تُدار الموارد المائية بعقليةٍ تتجاهل الحق الدستوري للمواطن في الماء، وتغلب مصالح اللوبيات الاقتصادية عبر السماح بآلاف الآبار العشوائية وتغيير الخارطة الفلاحية نحو محاصيل دخيلة لا تتناسب مع مناخ البلاد الجاف. ويُعد نموذج ولاية القيروان شاهداً حياً على هذا التناقض، حيث يتحول العطش من ظاهرة طبيعية إلى نتاجٍ لسياساتٍ زراعيةٍ مستنزفةٍ تضع “القيمة التصديرية” فوق “الحق في الحياة”.

وأمام هذا التعتيم المعلوماتي وغياب الشفافية في إدارة الأرقام المائية، يأتي دور الصحافة الاستقصائية كحائط صدٍ أخيرٍ للحق في المعرفة، حيث يقدم الكتاب نموذجاً في المساءلة البيئية، موضحاً أن استعادة السيادة المائية تمر حتماً عبر “ثورةٍ في الحوكمة”، تبدأ بتحديث “مجلة المياه” وتشديد الرقابة على الاستغلال المفرط، وتصل إلى تبني بدائل تنموية تعتمد على الزراعات المقاومة للجفاف، وتفعيل الدبلوماسية المائية لحماية الحقوق التونسية في المجاري المائية المشتركة. إن “تونس العطشى” ليس مجرد توصيفٍ لأزمةٍ راهنة، بل هو دعوة علميةٌ عاجلة لإعادة التفكير في العقد الاجتماعي البيئي في تونس، حيث يظل الماء حقاً للجميع لا امتيازاً للأقلية، وتظل الاستدامة هي البوصلة الوحيدة المتبقية لمواجهة مستقبل مناخيٍ يزداد قسوة وتعقيدا.

أزمة العطش في تونس… الثمن الباهظ لسياسات الدولة الفاشلة - Daraj

الموارد المائية في تونس في ظل التغيرات المناخية

يدق الكتاب ناقوس الخطر، كاشفا بالبيانات دخول تونس رسمياً تحت خط الفقر المائي المدقع، حيث تراجع نصيب الفرد إلى ما دون 360 متراً مكعباً سنوياً. وفي مفارقة صارخة، يكشف العمل كيف تعاني البلاد من عجز مائي هيكلي يُغطى عبر الاستنزاف الجائر للموائد الجوفية؛ حيث وثقت التحقيقات وجود أكثر من 26 ألف بئر عشوائي تستنزف الثروة المائية، وسط ضعف فادح في الرقابة وتطبيق القانون.

تعيش تونس للعام السادس على التوالي تحت وطأة جفاف بنيوي متواصل، مما أدى إلى تراجع حاد في التساقطات المطرية وتقلص مخزون السدود إلى مستويات غير مسبوقة. وذلك بين عجز هيكلي وتداعيات التأثيرات المناخية وبين هذا وذاك يوضع الاستنزاف الجائر في موضع المساءلة.

ففي حين تبلغ القدرة التعبوية القصوى للمياه حوالي 4.7 مليار متر مكعب سنوياً، يناهز الاستهلاك الفعلي 5.2 مليار متر مكعب، مما يخلق عجزا يغطى عبر استنزاف الموائد الجوفية.

وقد وصل استغلال الموائد المائية الجوفية في بعض المناطق إلى 400% من طاقتها المتجددة، مما تسبب في انخفاض منسوب المياه وارتفاع ملوحتها.

بينما  أسهم ارتفاع درجات الحرارة في زيادة تبخر المياه، مما هدد التنوع البيولوجي والنظم الإيكولوجية، كما هو الحال في بحيرة “إشكل” التي عانت من جفاف مساحات شاسعة وارتفاع ملوحتها.

 

الحق في الماء في ظل التغيرات المناخية

رغم أن الدستور التونسي يكفل الحق في الماء للجميع، إلا أن الواقع يعكس انتهاكاً صارخاً لهذا الحق، وتعتبر ولاية القيروان نموذجاً صارخاً لهذه المفارقة

حيث تعاني القيروان من انقطاعات متكررة وطويلة للمياه، دفعت المواطنين في عدة مناسبات لغلق الطرقات احتجاجا على حرمانهم من الماء بينما تتصدر القيروان المراتب الأولى في إنتاج زراعات مستهلكة للمياه بكثافة مثل القوارص، حيث تمتد المساحات المغروسة على أكثر من 1760 هكتار.

وتشهد الجهة حالة انفلات وتسيب في حفر الآبار العشوائية. فقد سجلت القيروان أعلى نسب الحفر العشوائي، حيث تجاوز عدد الآبار العشوائية فيها 4671 بئرا، في حين لا يتجاوز عدد الآبار المرخصة 705 بئرا.

العدالة البيئية: الاستثمار في العطش وصراع الحدود

تطرح “تونس العطشى” قضية العدالة البيئية بقوة من خلال مفارقات صارخة تثيرها شركات التعليب المتكاثرة مقابل حق المواطن. ففي مناطق مثل “برقو” بولاية سليانة و”باطن الغزال” بسيدي بوزيد، تتمركز شركات تعليب المياه وتستنزف المائدة المائية النقية لتحقيق أرباح طائلة، في حين تُحرم العائلات الريفية المجاورة من الماء الصالح للشرب وتيبس أشجارهم الفلاحية.

وفي مفارقة سيادية موازية تطرح قضية المياه المشتركة بين الحدود. حيث أشار الكتاب الى اشكالية الماء في المناطق الحدودية مع الجزائر (مثل الكاف والقصرين وقفصة) وتسجيل أزمة جفاف مضاعفة بسبب إقدام السلطات الجزائرية على بناء سدود كبيرة (مثل سد الوادي الكبير) على المجاري المائية المشتركة بصفة أحادية، مما أدى إلى جفاف الأراضي التونسية وتفقير الفلاحين ودفعهم للنزوح، وسط صمت دبلوماسي تونسي.

Aucune description de photo disponible.

المعرفة البيئية ودور الإعلام

اثارت ندوة مناقشة اصدار الكتاب، الدور المحوري الذي تلعبه الصحافة الاستقصائية في كشف الحقائق البيئية المخفية ومواجهة التعتيم الممنهج من الجهات الرسمية. ففي غياب الشفافية حول الأرقام الحقيقية للاستهلاك الصناعي والفلاحي للمياه، يبرز الإعلام الجاد كأداة أساسية لمساءلة اللوبيات والضغط من أجل سياسات عمومية عادلة.

كما تبرز التحقيقات أن غياب الشفافية وحجب المعلومات هما من أدوات تكريس أزمة المياه. حيث يعاني قطاع المياه من تعتيم على الأرقام الحقيقية للاستهلاك الصناعي (مثل استهلاك شركة فسفاط قفصة) وغياب الدراسات الدقيقة حول التكلفة المائية.

هنا يظهر بوضوح دور الصحافة الاستقصائية (نموذج عملي لموقع الكتيبة) في كشف الحقائق المخفية باستخدام حق النفاذ إلى المعلومة والمقاطعة المستندة إلى البيانات العلمية والميدانية. حيث تمثل التحقيقات الاستقصائية المتخصصة المعززة بالبيانات حول قضايا المياه والبيئة والمناخ، إن الإعلام البيئي الجاد هو أداة فعالة للمساءلة وفضح السياسات غير العادلة التي تغلب مصالح “اللوبيات” على حق المواطن البسيط.

فالكتاب يجسد “الحق في المعرفة” كمدخل لـ “الحق في الماء وقد تعهد بواجب “تحرير المعلومة”، وهو ما يمثل ذروة الدور المجتمعي للصحافة وهو تمكين المهمشين من فهم آليات استغلالهم.

العطش الجفاف الماء الصالح للشرب.jpg

المقاومة بالمعرفة والبدائل

تجسد تحقيقات الكتاب مبادئ متعددة الابعاد تخص العدالة وحقوق الانسان. أولا الحق في المعرفة التي تؤدي الى الحق في العدالة البيئية من خلال واجب ومسؤولية مجتمعية تكرس المقاومة بالمعرفة وتشريك المواطن والفاعلين الاجتماعين في طرح الحلول والبدائل. ولا يكتفي الكتاب بالتشخيص وانما يفعل اليات الصحافة الإيجابية او صحافة الحلول من خلال تقديم الخبراء حزمة من البدائل للتكيف مع التغيرات المناخية:

تغيير الخارطة الفلاحية: التخلي التدريجي عن الزراعات التصديرية المستنزفة للمياه، والتوجه نحو زراعات بيولوجية ومحلية تتأقلم مع الجفاف وتضمن السيادة الغذائية، كالحبوب.

البدائل التكنولوجية والتقليدية: الاستثمار في محطات تحلية مياه البحر ومعالجة المياه المستعملة الصناعية والفلاحية لإعادة استخدامها ، إلى جانب العودة لآليات تجميع مياه الأمطار التقليدية كـ “المواجل” و”الفسقيات”.

إصلاح الهياكل الإدارية: إعادة هيكلة المجامع المائية في الأرياف لتصبح مؤسسات ذات منفعة عامة تحظى بالدعم المالي والتقني ، وتحديث شبكات “الصوناد” لتقليل الفاقد المائي.

أزمة عطش على أبواب تونس خلال الصيف

في ختام استقراء “تونس العطشى” أظهر الكتاب أن أزمة المياه في تونس ليست “ندرة طبيعية” بقدر ما هي “توزيع طبقي”. فمن منظور سوسيولوجي، يبرز الماء كأداة للهيمنة. حيث تعامل المناطق الداخلية (القيروان، سيدي بوزيد، سليانة) كـ “خزانات” للمياه الجوفية يتم استنزافها لصالح المركز أو للتصدير. ويصبح العطش حالة “إقصاء اجتماعي” يجعل الفلاح الصغير في القيروان، مثلا يواجه “الموت الاجتماعي” بسبب جفاف أرضه، بينما ينعم المستثمر الكبير بالماء المدعوم دون انقطاع.

يرصد الكتاب، من صور أخرى، تحول “العطش” من مسألة بيولوجية  (الحاجة الى الماء) إلى محرك للاحتجاج السياسي والحراك الاجتماعي. فالمواجهات في الأرياف حول المجامع المائية تعكس “وعياً طبقياً بيئياً” جديداً. الماء هنا يصبح “قضية صراع حول الملك المشترك بين قوى تريد تسليعه (شركات التعليب) وقوى تريد استعادته كحق مشاع.

إعلاميا، لفترة طويلة، كان الخطاب الإعلامي الرسمي يختزل أزمة المياه في “نقص الأمطار” (تفسير ميتافيزيقي/طبيعي). غير ان هذا الكتاب أعاد صياغة الأجندة الإعلامية عبر توجيه الاتهام لـ “السياسات العمومية” و”اللوبيات”، محولا الأزمة من “قضاء وقدر” إلى “مسؤولية سياسية وقانونية”. ونجح الكتاب في “أنسنة” الأرقام الجافة؛ فخلف كل نسبة مئوية لملوحة الماء، هناك قصة امرأة تقطع 5 كيلومترات، وخلف كل بئر عشوائي هناك فلاح مهدد بالسجن أو الإفلاس.

“ان تونس العطشى” ليس مجرد كتاب، بل هو صرخة بيئية مدوية ودعوة عاجلة لصناع القرار والمجتمع المدني للتحرك قبل فوات الأوان، لضمان استدامة الثروة المائية كشريان حياة للأجيال القادمة.

 📌 نقطة تفاعل للمتابعين: ما رأيكم في السياسات المائية الحالية في تونس؟ وكيف يمكننا كمواطنين المساهمة في الحفاظ على مواردنا المائية؟ كيف تستشرفون تداعيات التغيرات المناخية على الموارد المائية والحق في الماء مستقبلا.

شاركونا آراءكم في التعليقات.

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *