إيمان النيغاوي
يقف العالم على مشارف قمة مناخ جديدة تنعقد بغلاسكو، المملكة المتحدة نهاية هذا الشهر والتي تمتد من 31 أكتوبر إلى 12 نوفمبر أين ستتم مناقشة عدد من المواضيع المناخية منها التأقلم والطاقة والتعليم المناخي. ولعل أهم المواضيع التي سيتم مناقشتها خلال قمة المناخ ستكون لها علاقة بتحقيق “صفر كربون” مع حلول 2050 واستكمال تحديد القواعد التي تنظم العمل باتفاقية باريس خاصة منها المرتبطة بالمادة السادسة والتي ترتكز على الحد من انبعاثات الغازات الدفيئة من خلال المساهمات المحددة وطنيا والتعاون الدولي لتحقيق هذه الأهداف.
خلال السنوات الستة الماضية كانت المادة السادسة من اتفاقية باريس عنصرا دائما على طاولة المفاوضات من أجل تحديد آليات وقواعد العمل بهذه المادة وترجمة ما جاء فيها على أرض الواقع، ولكن تشعب وحساسية محتوى المادة السادسة جعلها مثيرة للجدل، مما أفضى إلى عدم التوصل إلى توافق جامع حول كيفية تطبيقها في كنف عدالة مناخية تنصف جميع الأطراف المتدخلة.
وللحديث أكثر عن المادة السادسة من اتفاقية باريس وما جاء فيها ومدى جدوى سوق الكربون على المستوى العالمي عموما وعلى المستوى الوطني خصوصا، سنقدم سلسلة من المقالات تتطرق لهذا الموضوع، وسنبدأ أولا بتقديم بسطة حول المادة السادسة من اتفاقية باريس وما يمكن انتظاره من قمة المناخ بغلاسكو.
ما الذي جاء في المادة السادسة من اتفاقية باريس؟
تطرح المادة السادسة من اتفاقية باريس فكرة التعاون التطوعي بين الدول والهيئات المعنية لتحقيق الأهداف المحددة وطنيا والتي تسعى إلى التخفيض في انبعاثات الغازات الدفيئة وذلك بهدف التقليص في مستوى الانبعاثات العالمية للحد من الاحتباس الحراري والبقاء تحت 2 درجة مئوية (والطموح للبقاء تحت 1.5 درجة مئوية).
ومن أجل تحقيق هذا الهدف المشترك تقدم المادة السادسة من الإتفاق ثلاثة آليات تساعد المجتمع الدولي على تحقيق التزاماته المناخية والمضي قدما نحو الانخراط في سوق الكربون العالمي وهو بالأساس ليس بفكرة جديدة حيث تم اعتماده في بروتوكول كيوتو.
الآليات الثلاث:
المادة 6.2: الآلية الأولى تسعى إلى تعزيز التعاون التطوعي الدولى بين الدول الأطراف. وهي بالأساس قائمة على المساهمات المحددة وطنيا ومدى نجاعة تطبيقها على أرض الواقع. وتقوم هذه الآلية على إنشاء نظام لحساب ما يسمى بـ”الأرصدة الكربونية” والذي يمكن للدول الأطراف بيعها وشراءها.
إن لم يتمكن بلد ما من تحقيق أهدافه المناخية التي تندرج ضمن المساهمات المحددة وطنيا يمكنه شراء رصيد النجاحات التي حققتها دولة أخرى من خلال ترجمة التزاماتها المناخية على أرض الواقع، بهذه الطريقة تكون الدولة التي حققت تقدما كبيرا في انجاز التزاماتها قد انتفعت ماديا وبهذا ستسعى بشكل أكبر على التخفيض في انبعاثاتها من أجل بيع أكبر عدد من أرصدتها. وفي المقابل ستحفز عملية الشراء الدول التي لم تتمكن من تحقيق أهدافها من العمل بجدية على تخفيض انبعاثاتها والتي تكون تكلفتها المادية أرخص من عملية شراء أرصدة البلدان الأكثر نجاحا, وبهذا ستدفع هذه التنافسية الدول الأطراف إلى الترفيع في سقف طموحاتها للتخفيض في حصتها من انبعاثات الغازات الدفيئة.
إن تطبيق هذه الألية بكل شفافية سيساهم في بناء علاقات دولية متينة وستدفع بالتعاون المناخي الدولي نحو أفق أوسع والذي من شأنه أن يساهم في تحقيق أهداف اتفاقية باريس.
المادة 6.4: تركز الآلية الثانية على تحديد الأطر التي يمكن فيها التعامل ضمن “سوق الكربون” من خلال التعاون الدولي بين دول الأطراف من جهة والقطاع الخاص من جهة أخرى. ومن شأن هذا النظام أن ينظم عمليات البيع والشراء الأرصدة الكربونية. حيث يمكن لدولة أو لشركة ما أن تدفع أموالا لدولة أخرى من أجل إنشاء على سبيل المثال مزرعة لتوليد الطاقة الشمسية بدل إنشاء مصنع للطاقة يعمل بالوقود الأحفوري وبهذا يتم التخفيض في الانبعاثات الغازية وتكون جميع الأطراف قد انتفعت من الطاقة النظيفة.
وكما أشرنا سابقا فإن مفهوم “سوق الكربون” ليس جديدا حيث ستعوض هذه الآلية الجديدة في المادة السادسة من اتفاقية باريس ما يسمى بـ” آلية التنمية النظيفة” (ِCDM) والتي تندرج ضمن بروتوكول كيوتو. [1]
المادة 6.8: تقوم الآلية الثلاثة على مقاربة غير قائمة على مفهوم التبادل التجاري ضمن سوق الكربون، حيث تركز على التعاون التطوعي بين الدول من أجل تحقيق أهداف مناخية خارج أطر بيع وشراء الأرصدة الكربونية. يندرج هذا التعاون ضمن تبادل المعارف والتكنولوجيات بين الدول المتقدمة ونظيرتها النامية من خلال تقديم المساعدة والدعم لترجمة التزاماتها المناخية على أرض الواقع. لا يزال غير واضح كيف يمكن تحديد شكل هذه المساعدات ولكن يقترح بعض المختصين فرض ضرائب على البلدان الملوثة من أجل الحد من الانبعاثات الدفيئة [2]، في حين اقترح آخرون أن تكون المساعدات في شكل تبادل الخبرات والتعاون على مستوى تبادل أفضل الممارسات للحد من مخاطر التغيرات المناخية إلى جانب تعزيز القدرات المحلية وتمويل المشاريع في البلدان النامية من أجل مساعدتها على تعزيز قدراتها على التخفيف والتأقلم مع آثار التغيرات المناخية.
ماهي حدود المادة السادسة من اتفاقية باريس؟
هنالك تخوف من أن المادة السادسة من اتفاقية باريس لن تتمكن من تحديد آليات واضحة من شأنها أن تضمن شفافية بيع وشراء الأرصدة الكربونية إلى جانب تحقيق العدالة المناخية.
أولا هناك مشكل بما يسمى “العد المزدوج”، والذي يتمثل بالأساس في حساب تخفيضات الانبعاثات الدفيئة مرتين. للتفسير أكثر نجد مثال الدولة “أ” التي قامت بإنشاء مزرعة لتوليد الطاقة الريحية ثم باعت أرصدتها الخاصة بتخفيضات الانبعاثات التي تحصلت عليها بفضل انتقالها الطاقي إلى الدولة “ب”، وبهذا فإن الدولة “ب” والتي عجزت عن تحقيق أي تقدم في التزاماتها المناخية يمكنها احتساب هذه الأرصدة التي قامت بشرائها كجزء من تقدمها نحو تحقيق المساهمات المحددة وطنيا, ويكمن المشكل هنا في حال قررت الدولة “أ” احتساب نفس الأرصدة كجزء من تحقيق المساهمات المحددة الوطنية الخاصة بها, في حين أن المادة السادسة تدعو إلى تجنب العد المزدوج إلا أنه ومن دون آليات واضحة تقوم على مبدأ الشفافية والمحاسبة فإنه لا يمكن ضمان أن الدول لن تقوم بهذه التجاوزات، والتي من شأنها أن تساهم في ارتفاع الانبعاثات العالمية وإلى مزيد إضعاف المساهمات المحددة وطنيا.
ثانيا نجد تخوفا من أن المادة السادسة يمكن أن تعرقل تقدم وزيادة سقف طموحات المساهمات المحددة وطنيا من خلال تمكين الدول من أرصدة كربونية لإنجاز مشاريع صديقة للبيئة كان بالأساس مبرمج إنجازها وبهذا تمكن المادة السادسة البلدان من الحصول على أرصدة كربونية دون الترفيع في طموحاتها للتخفيض في الانبعاثات.
إلى جانب ذلك يمكن أن نلاحظ أن نفس شيء يمكن وقوعه عند عملية بيع وشراء الأرصدة الكربونية حيث لا يوجد آليات لتقنين وتنظيم هذه المعاملات مع ضمان أن الدول والشركات ستقوم بالترفيع في سقف طموحاتها ولا تكتفي بالتعويض للبلدان الأكثر تضررا وشراء الأرصدة الكربونية بدل التخفيض في انبعاثات الغازات الدفيئة. وهذا التقاعس في العمل على الحد والتخفيض في الانبعاثات من شأنه أن يلحق ضررا بالمجتمعات المحلية والتي تعتبر الأكثر هشاشة في مقاومة والتأقلم مع التغيرات المناخية وهذا يقوض العدالة المناخية وحق المجتمعات المحلية والفئات الهشة في بيئة سليمة وفي حمايتهم من تبعات هذا السوق.
المادة السادسة وقمة غلاسكو
ما يمكن انتظاره خلال قمة المناخ بغلاسكو أنه سيتم مناقشة المادة السادسة من اتفاقية باريس من أجل تسريع تفعيل سوق جديدة للاستثمار والتي من شأنها أن تساهم في تقدم انجاز المساهمات المحددة وطنيا خاصة وأن نصف التزاماتها والذي يشكل 31 بالمئة من الانبعاثات العالمية يعتمد على التعاون الدولي الذي يمكن لسوق الكربون توفيره. [3] إلى جانب أن من فوائد التعاون الدولي الذي تكفله المادة السادسة من اتفاقية باريس وحسب الرابطة الدولية لتجارة الانبعاثات (IETA) يمكن تحقيق توفير في التكاليف بقيمة 250 مليار دولار مع حلول 2030.
وفي حوار أجرته الأمين التنفيذي لاتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ (UNFCCC) ،باتريشيا إسبينوزا في أفريل الماضي أكدت على أهمية مناقشة المادة السادسة ضمن قمة المناخ بغلاكسو وأنه ومن الضرورة تحديد الآليات اللازمة لنظام من شأنه أن يساهم في الدفع بالاستثمار في المجال المناخي خاصة في البلدان النامية إلى جانب إيجاد التوافقات للمضي قدما في إنشاء سوق كربوني جديد.
وفي النهاية يبقى مصير المادة السادسة من اتفاقية باريس رهن التوازنات والتوافقات الاقتصادية والسياسية والتي من شأنها أن تدفع بالعمل المناخي إلى الأمام أو تعرقل الجهود الرامية لإنقاذ البشرية من تسارع وتيرة التغيرات المناخية والتي تهدد ملايين البشر والكائنات الحية حول العالم.
مصادر:
- [1] و [2] و [3] معهد الموارد العالمية، (2019): الرابط https://rb.gy/xeqfun
- حوار مع الأمين التنفيذي لاتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن التغير المناخ (UNFCCC)،(أفريل/أبريل 2021): الرابط https://rb.gy/tfgcxk
- Landscape News, article (December, 2019): Link https://rb.gy/d0irta

