كيف يمكننا أن نرتقي بالعمل البيئي في تونس ؟

بقلم عادل الهنتاتي: الخبير في البيئة والتنمية المستدامة

تتمثل إشكالية بلوغ النجاعة المرجوة لبرامج ومشاريع وإجراءات حماية البيئة وتحسين مقومات جودة الحياة في توفّر ثلاث شروط أساسية تنبني على التشخيص بالموضوعية المطلوبة في الوضعية البيئة في تونس وحالة جودة الحياة بمختلف مقوماتها.

الشرط الأول: قناعةالأطراف الفاعلة في المنظومة التنموية وفي تحريك دواليب الاقتصاد وقدرتهمعلى إدماج البعد البيئي في كل نشاط تنموي وأي نشاط بشري ضمانا لتفعيل المقاربة الوقائية في صيانة البيئة على حساب المقاربة العلاجية المكلفة والمخلّة بجودة العمل البيئي ونجاعته،

الشرط الثاني: توفر القدرة عند آخذي القرار السياسي والتقني على إيجاد وتفعيل آليات التنسيق المؤسساتي والميداني التي تكفل استثمار سلاسل القيمة  التي ينتجها يوميا التكامل بين جهود حماية البيئة الصادرة عن مختلف المتدخلين في الميدان نتيجة إدماج الأبعاد البيئة في كل نشاط تنمويالتي لها مساس بالعناصر البيئية وبالخدمات التي تتوفر من خلالها مقومات جودة الحياة على غرار خدمات النظافة والتطهير والنقل والتنقل والتزود بالماء الصالح للشراب وبالتيار الكهربائي والأمن وسلامة الصحة وخدمات حضانة الأطفال والتربية والتعليم والترفيه.

الشرط الثالث: إيجاد وتفعيل آليات ناجعة كفيلة بتعبئة المواطنوجعله مساهماقعّالافي توفير النجاعة المطلوبة للجهود المبذولة لحماية البيئة عبر تعزيز يقينه بضرورة حماية البيئة وغرس السلوك المناسب لهذا الغرض لديه وتحميله مسؤوليته الذاتية وإيضاح واجبهفي كيفية جعل النفاذ إلى الحق في البيئة السليمة واقعا معاشا وممارسة يومية في أي مكان من البلاد بعيدا عن الشعارات الرنانة التي كان يتغنى بها الكثير في هذا البلد،

 قدرة على المرور من النظري والاستراتيجي إلى الممارسة اليومية والتأثير على الواقع: التحدي الأكبر لبلوغ النجاعة المرجوة لضمان حماية مستديمة للبيئة

         هذه الشروط التي يفرضها الواقع التونسي من حيث نوعية المشاكل البيئية والتحديات الميدانية والمؤسساتية والتشريعية ذات العلاقة بتحسين جودة حياة المواطن تبقى في المجال النظري لا غير في غياب توضيح المضامين العملية والبراغماتية التي تحملها هذه الشروط. وفي هذا الشأن لا بد من التذكير بأن كل نشاط يقوم به البشر في تعامله مع متطلبات الحياة يفرض تحديات اقتصادية وتحديات بيئية وتحديات اجتماعية من الضروري ضبطها والتعامل معها بما يفرضه الواقع المعاش على المستوى المحلي قصد تحقيق أفضل مستويات جودة الحياة والعيش الكريم للمواطنين. وهذا المنهج في التعامل مع منظومة التنمية والتصرف في آثارها على توازن عناصر البيئة يعتبر من الضروريات ولا مجرد اختيار من بين اختيارات أخرى متعددة نظرا لحالة الهشاشة التي تتميز بها جل الموارد الطبيعية وقلة الإمكانيات المادية التي تتوفر للمجتمع التونسي لضمان حراك التنمية والازدهار.

من خلال إدماج البعد البيئي في كل نشاط تنموي تتحقق غايتان أساسيتان يفرضهما بلوغ النجاعة المرجوة والفعالية المطلوبة للجهود المبذولة بغية توفير مقومات جودة الحياة للمواطن: تحقيق الوقاية من تنامي المشاكل البيئية من جهة، والانتفاع من سلاسل القيمة التي تحصل من التكامل بين القيمات المضافة التي يوفرها كل نشاط تنمويمن جهة أخرى. فتفعيل المقاربة الوقائية عند التعامل مع المشاكل البيئية هي الوسيلة الوحيدة للحد من تنامي المشاكل البيئية من مصدرها بما يجعل المجهودات المرصودة لمجابهة مظاهر الإخلال بالبيئة كافية للقضاء عليها بصفة ناجعة. وفي هذا الشأن لا بد من التذكير ببعض الأمثلة التي تقرب فهم الموضوع. فعلى سبيل المثال من هو المتسبب الرئيسي في تنامي التلوث بكل أشكاله، أليست هي الأنشطة الصناعية والنقل بالإضافة إلى الأنشطة الزراعية التي تعتمد الاستعمال المفرط للمواد الكيمياوية كمبيدات أو مخصبات؟، فإن كان الواقع كذلك، فإنه من البديهي مطالبة الفاعلين في مجالات الصناعة والزراعة الجاهدة والنقل من أن يتبعوا منظومات إنتاج أقل كلفة بيئية. ففي ضوء اقتناع هؤلاء بالمنافع التي يتحصلون عليها باعتماد هذه المقاربة يتم الحد من تنامي مصادر التلوث وبالتالي تصبح مجابهة ما يظهر من هذه المشاكل أيسر وبكلفة أقل، وهذه طريقة لتحسين نجاعة جهود حماية البيئة مما يساهم في تحسين جودة حياة المواطن عبر الحد من أسباب الاخلال بالصحة من جهة، وفي الرفع من حجم الاستثمارات الموجهة لدفع الحراك التنموي عوض أن كانت فيما مضى ترصد لمجابهة الآثار السلبية التي يحدثها تنامي التلوث. هذه المقاربة الوقائية التي يعتمدها أرباب الصناعات والنقل والزراعة تعتبر من المقومات الأساسية للتنمية المستديمة التي تمكن مؤسسات الإنتاج المنخرطة في هذه المسارات من تحسين قدراتهم على المنافسة في السوق بما يضمن استدامة هذه المؤسسات وتواصل دورها في توفير مواطن الشغل، وهذا الدور الذي يمثل في تونس الرهان الأكبر لضمان العيش الكريم للمواطنين.

وفي مثال آخر، من يتسبب في إنتاج النفايات المنزلية؟ أليس هو المواطن الذي يستهلك يوميا المواد الغذائية وكل ما يستطيع التحصّل عليه لسد حاجيات العيش؟  إذا فتحسين جودة منظومة التصرف في النفايات المنزلية والمشابهة يمرّ حتما بتعبئة المواطن لكي يكون مساهما فعالا في هذا المجال، وبهذه الصفة تكون الجهود التي تبذلها المصالح البلدية لجمع النفايات المنزلية والمشابهة من الأنهج والساحات كفيلة بتوفير النظافة والجمالية للمدن من جهة، بما يوفر الإمكانيات التي ترصد لتحسين التصرف في هذه النفايات المجمعة بالمصبات المراقبة ولتفعيل أفضل لآليات تثمين النفايات من جهة أخرى، وهذا التوجه في حد ذاته من مقومات نجاعة العمل البيئي في تونس في الوقت الراهن.

فبإدماج الأبعاد البيئية[1] إلى جانب الأبعاد الاجتماعية في الأنشطة التنموية، مع توفر آليات التنسيق بين مختلف المتدخلين في المنظومات التنموية وفي التأثير على الأوساط المتقبلة لتثمين التكامل الحاصل بين مختلف هذه العناصر المتحكمة في الحراك التنموي تتوفر مقومات جودة الحياة لكل المواطنين كلما كانت المنظومة التنموية تنبع من متطلبات حاجيات المستوى المحلي. ففي تمش مثل هذا تصبح نجاعة العمل البيئي في نفس الوقة نتيجة لمنهج التنمية المستديمة، وكذلك أداة رئيسة من الأدوات الضامنة لتحقيق استدامة التنمية.

1-لا بد من التمييز في الفهم بين ما يسمى بالأبعاد البيئية التي يبينها تشخيصالتحديات البيئية لكل نشاط بشري في سعيه لتحقيق مقومات العيش والحياة، والمسائلالبيئية أو القضايا البيئية كقضية مقاومة التلوث، أو مقاومة التصحر، أو حمايةالأصناف الحية والبذور و الجينية المحلية، أو مجابهة التغيرات المناخية، و غير ذلكمن القضايا التي تشغل بال المجتمع في حياته اليومية.

لكل هذه الاعتبارات، يكون للمواطن الفطن والمطلع على حقيقة الوضع والمتمكن من واجبه في المساهمة في جعل الحقوق البيئية ممارسة يومية ولا مجرد شعار نتغنى به تارة ونتخفى وراءه تارة أخرى لتغطية الإخفاقات التي تحصل في ميادين حسن تدبير شؤون المواطن، دور أساسي لا يمكن تجاهله بحيث لا تبلغ الجهود الميذولة في ميادين حماية البيئة النجاعة المرجوة والضرورية إلا بمساهمة هذا المواطن. والتحدي الآن يتمثل في كيفية تعبئة هذا النوع من المواطنين في تونس اليوم.

فالرهان المطروح على الدولة يبقى توفير الآليات المختلفة لتكوين هذا المواطن بما يساهم في تيسير تعبئته مقتنعا بدوره وقادرا على أن يكون فعالا. وفي هذا الشأن تتنزل الآليات الاتصالية والقنوات الصحفية كروافد أساسية يجب الزج بها لبرح هذا الرهان. فهل أن ” البيئة نيوز” تكون من بين أدوات رفع التحدي الاتصالي والصحفي لربح رهان مساهمة المواطن في الرفع من نجاعة العمل البيئي في البلاد وتحقيق مستوى جودة الحياة المطلوب لتعزيز مسار الانتقال من منوال تنمية يقوم بالأساس على تحقيق نمو اقتصادي أعرج لا يستطيع ضمان تجدد الحراك التنموي في كل ربوع البلاد إلى منهج تنموي يوفر مقومات جودة الحياة والعيش الكريم لكل التونسيين شمالا وجنوبا، شرقا وغربا، يوفر مواطن الشغل لأغلب الوافدين سنويا على سوق الشغل من الشباب والشابات و يعتمد على آليات قوية نابعة من المجتمع تفعل التضامن بين أفراد المجتمع لتيسير الحياة للفئة المعوزة و يقلل من عبئ الخصاصة و الفقر بالمجتمع و تعزيز تماسكه لينعم كل الناس بالحق في الحياة بهذا البلد تونس رغم الإرباكات المتعددة التي يفرضها الوضع الدولي و واقع المناطق المحرومة من التنمية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *