مشروع الوكالة الوطنية لحماية الملك العمومي للمياه بين الأخذ والردّ

بقلم الخبير في الموارد المائية الدكتور محمد بن سقة

الماء عنصر حيوي وثروة وطنية وملك عمومي وموروث طبيعي للبلاد يجب حمايته والمحافظة عليه. فالماء يكتسي بعدا بيئيا وصحيا وقيمة اقتصادية، اذ يعتبر الاقتصاد فيه من أهم الوسائل التي تضمن الاستجابة المستدامة لكافة احتياجات المواطنين وجميع القطاعات الاقتصادية.  وحيث أنّ تبذير الموارد المائيّة ينجر عنه حتما إخلال في ضمان الحق في الماء لجميع المواطنين.

لهذا كان من الضروري إعادة النّظر في سياسة التّصرّف في المياه منذ عقود وذلك بإرساء استراتيجيّة ذات نظرة استشرافية جديدة للمحافظة على الملك العمومي للمياه وتنميته. وللتعريف، الملك العمومي للمياه هو تلك المكونات العمومية الطبيعية أو الاصطناعية لاستيعاب سيلان المياه او خزنها، حيث يشمل أولا: المياه التقليدية كمياه الامطار ومياه السيلان ومياه الأودية ومياه البحيرات والسباخ ومياه السدود ومياه العيون على إختلاف أنواعها والمياه الباطنية وثانيا: المياه غير التقليدية الغير قابلة للاستعمال المباشر بخصائصها التي تتسم بها ومنها المياه المستعملة المعالجة والمياه الحارة ومياه التحلية ومياه الصرف الزراعي. فالملك العمومي للمياه في تونس يعتبر غير قابل للتفويت ولا لسقوط الحق بمرور الزمن ويحجر الإعتداء عليه. ويتم ضبطه بقرار من الوزير المكلف بالمياه بعد إجراء بحث إداري ومع الإحتفاظ بجميع حقوق الغير المحتملة.

 

يذكر ان الموارد المائية في بلادنا تشهد حاليا تدهورا كبيرا على مستوى الكم والكيف جراء الاستغلال المفرط لها، وتعدد نقاط التلوث التي اثرت على جودتها ونوعيتها، ورغم ذلك لا يوجد ما يكفي لحمايتها والمحافظة عليها كسلك شرطة المياه التي تنقسم الى شرطة إدارية تضع قواعد الترخيص لاستغلال الملك العمومي للمياه وشرطة قضائية تؤدي وتراقب الضوابط المشروعة. ومن جهة أخرى، ومع الاعتداءات والانتهاكات الكبرى المتكررة على الملك العمومي للمياه الا انه لا يوجد عدد كاف من المراقبين لدى المندوبيات الجهوية للتنمية الفلاحية للقيام   بهذا الدور في أحسن الظروف قصد التصدي لهذه الاعتداءات.

كل هذه الأسباب جعلت المشرّع يقترح تأسيس وكالة وطنية لحماية الملك العمومي واستغلاله ترتكز مبادئها على التصرف المندمج والانفتاح على السياسات المائية الدولية ويتجسد دورها في مراقبة وحماية الملك العمومي للمياه ودراسة الملفات المتعلقة باستغلاله واستخلاص المعاليم الموظفة عليه فضلا عن تحجير الاعتداءات عليه.

أية مهام للوكالة الوطنية لحماية الملك العمومي واستغلاله؟

من المنتظر ومن خلال تعزيز الإطار المؤسساتي المطروح حاليا بالبلاد التونسية، أن تكون هذه الوكالة حلقة تواصل لمهام مكتب التقييم والبحوث في مجال المياه الموجود بالإدارة العامة للموارد المائية لوزارة الفلاحة. ومن مهامها جرد الموارد المائية السطحية والجوفية للبلاد التونسية، وتكوين أنظمة معلوماتية موحدة لتفادي تشتت المعلومة المائية وتحيين قاعدة بياناتها للتصرف المحكم في الموارد المائية مع استخلاص الاتاوات الناتجة عن التصرف في الملك العمومي للمياه، الى جانب درس الملفات المتعلقة باستغلال الملك العمومي للمياه ومتابعتها قصد إسناد الرخص المسموح بها والقيام بتعهد شبكات الرصد وقيس كمية الأمطار والسيلان السطحي في الأودية والعمل على صيانة مختلف أجهزة محطات قيس المياه السطحية والجوفية ومتابعة المعطيات المتعلقة بالمياه. بالإضافة الى متابعة السحوبات المائية السطحية والجوفية والحرص على تركيز العدادات بنقاط المياه.

 

ويتوقع أن تكون موارد الوكالة من المداخيل المنجرّة عن استخلاص المعاليم الموظفة على استغلال الملك العمومي للمياه كالمنح والهبات الممنوحة لها من كل شخص مادي أو معنوي تونسيا كان أم أجنبيا، والإقتراضات، والموارد الأخرى التي يمكن أن تسند إليها طبقا للتشريع الجاري به العمل. ويشار الى ان الوكالة ستعمل بالتنسيق مع مختلف الأطراف الأخرى كوكالة الشريط الساحلي ووكالة الوطنية لحماية المحيط ووزارة الصحة وبقية الوزارات المعنية بقطاع المياه.

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *