يعتبر مصب مادة “المرجين” المحدث منذ سنوات بمنطقة الشوايحية، التابعة لمعتمدية الشراردة بولاية القيروان، من أبرز القضايا البيئية والاجتماعية التي أرقت المتساكنين لسنوات وأثارت عديد الاحتجاجات للمتساكنين واعقبتها قضايا ضد الحراك البيئي وأيضا قرارات من المحكمة بغلق المصب بضغط من المجتمع المدني.
تحقيق ناجح الزغدودي-صحفي وباحث اكاديمي
يعود المصب لاثارة حالة من الجدل والنقاش البيئي بعد ان صدر قرار من والي القيروان بغلق المصب في خطوة أثارت الكثير من الجدل والتهكم في الأوساط البيئية، خاصة وان قرار الغلق جاء بعد مرور 4 اشهر من استغلالها لتصريف فواضل المرجين من قبل المعاصر. وكان ذلك ضمن الحلول العاجلة التي اتخذتها السلط الجهوية حينها “لإنقاذ موسم جني الزيتون.
القرار نشرته الصفحة الرسمية لبلدية الشوايحية ويقضي بإغلاق مصب مادة “المرجين” بالمنطقة. ويبدو القرار في ظاهره انتصاراً للبيئة وتطبيقاً للقانون، لكن توقيته يطرح تساؤلات جوهرية حول مدى جدية السلطات في حماية المحيط حيث علق البعض ان القرار صدر بعد أن انتهى الموسم وفرغت آلاف الأطنان من هذه المادة السامة في التربة.
يستعرض التحقيق ابعاد المعضلة البيئية والجدل الذي خلفه مصب المرجين بمنطقة الشوايحية منذ احداثه سنة 2011 من قبل بعض المستثمرين، واحتجاج النشطاء البيئيين على الاخلالات البيئية والمشاكل البيئية الناجمة عن تسربات المرجين في التربة والتلوث وتاثيره على المحيط الاجتماعي بالمنطقة مقابل الفوائد الاقتصادية. ومن جهة ثانية الإشكاليات القانونية والنزاع حول صلوحية المصب والتراخيص الممنوحة له وتضارب القرارات وتأرجح المسؤولين بين قرارات الفتح وقرارات الغلق واعتماد سياسة الامر الواقع والمرور بقوة نحو تجاهل الاحكام القضائية وتنبيهات المجتمع المدني.
في منطقة ريفية بالمنطقة البلدية الشوايحية بالقيروان، تم إحداث المصب الجماعي للمرجين بالشوايحية في حوالي سنة 2011 ليمتد على مساحة تقدر بـ 7 هكتارات ويضم العديد من الأحواض. ومنذ البداية، قوبل هذا المشروع برفض اجتماعي حاسم، حيث احتج النشطاء بدعوى ان المصب أنجز بطريقة عشوائية دون احترام لكراس الشروط أو مراعاة لقربه من التجمعات السكنية التي لا تبعد عنه سوى 400 إلى 450 متراً.
طيلة السنوات الماضية، نفذ أهالي الشوايحية سلسلة من الاحتجاجات السلمية والوقفات الميدانية لمنع الشاحنات من تفريغ المرجين والاحتجاج على اسناده تراخيص أولية للنشاط رغم الاخلالات.
وبفضل هذه الضغوط، تم إيقاف استغلال المصب لبعض الفترات المتفاوتة، إلا أن السلطات الجهوية كانت تعود لفتحه (كما حدث في 2019 و2023) تحت ذريعة “إنقاذ موسم الزيتون”، متجاهلة قرارات وكالة حماية المحيط وحتى قرارات المحكمة الإدارية التي أقرت بوقف استغلاله لتجاوزاته الفنية. حيث أصدرت محكمة القيروان قرارا بغلق الشوايحية واللبية (ببوحجلة) تبعا لشكاية ودراسة اثار محيط .قدمها المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية بالقيروان وذلك سنة 2023 .
وقال المنتدى، في بلاغ له، إنه تبعًا لمطلب كان قد قدمه بتاريخ 15 نوفمبر المنقضي إلى المحكمة الإدارية بالقيروان من أجل الإذن بإيقاف تنفيذ قرار اللجنة الاستشارية الجهوية لمصبات المرجين الصادر بتاريخ 13 نوفمبر 2023 والقاضي بإعادة فتح مصبات بمعتمدية بوحجلة والشوايحية والدبدابة من معتمدية الشراردة بصفة استثنائية بحجة ضمان حسن التصرف في مادة المرجين والحد من الإلقاء العشوائي لتلك المادة، أصدرت المحكمة الإدارية بالقيروان يوم الثلاثاء 12 ديسمبر قرارً في مادة توقيف التنفيذ يقضي بقبول مطلبه والإذن بتوقيف تنفيذ القرار الصادر عن اللجنة الاستشارية الى حين البت في القضية الأصلية المتعلقة بمصب الشوايحية.
غير ان السلط الجهوية عمدت سنة 2023 الى فتح المصب لاستغلاله ووصفت القرار بانه وقتي. ولم يكن القرار الأخير ولا الاستثناء الوحيد. فقد دعت الحاجة وفق بلاغ للسلط الجهوية الى إعادة فتح مصب الشوايحية في نوفمبر 2025 بدعوى انقاذ الصابة وبصيغة الفتح الوقتي وبحجة “الحلول العاجلة” بنبرة الإنقاذ وايلاء البعد الاقتصادي أولوية على حساب الجانب البيئي وحق المواطن في بيئة سليمة فضلا عن كون قرار فتح المصب هو التفاف على حكم قضائي.
يفيد البلاغ الرسمي اثر الجلسة أنه في إطار متابعة موسم جني الزيتون وتحويله وإيجاد حلول لمشكل المرجين ، أشرف ذاكر البرقاوي والي القيروان صباح يوم الخميس 20 نوفمبر 2025 ، على اجتماع مع أصحاب معاصر معتمدية بوحجلة وبحضور معتمد المنطقة بالنيابة والاطار المكلف بالملف بالولاية تم خلاله النظر في الحلول الممكنة العاجلة والآجالة لمشكل مادة المرجين.
وقد تم الاتفاق على الاستغلال الوقتي للمصبات الخاصة بمنطقة جنوب الولاية من قبل أصحاب المعاصر مع استئناف أشغال تهيئة وصيانة المصب المرخص بالشوايحية واتخاذ الاجراءات القانونية الردعية لكل من يتسبب في إيقاف الأشغال..
الوعي البيئي، استيقظ مؤخرا واعيد له الاعتبار من خلال قرار من نفس الجهات الرسمية بغلق مصب الشوايحية. وصدر القرار الأتي نصه بعد 4 أشهر من القرار الصارم بواجب تمكين المستغلين من استخدام المصب:
نص بلاغ قرار غلق مصب مرجين
https://www.facebook.com/photo?fbid=996136429404053&set=a.222750033409367
إن والي القيروان بعد اطلاعه:
على القانون عدد 11 لسنة 1989 المؤرخ في 04 فيفري 1989 المتعلق بالمجالس الجهوية.
وعلى الأمر عدد 457 لسنة 1989 المؤرخ في 24 مارس 1989 المتعلق بتفويض بعض سلطات أعضاء الحكومة إلى الولاة وعلى جميع النصوص التي تممته أو نقحته.
وعلى محضر المعاينة التي قامت بها اللجنة الاستشارية لمصبات المرجين يوم الجمعة 20 فيفري 2026 إلى المصب الجماعي بالشوايحية معتمدية الشراردة.
وعلى محضر جلسة اللجنة الجهوية لمتابعة مصبات المرجين المنعقدة يوم الثلاثاء 24 فيفري 2026.
قرر ما يلي
الفصل الأول: الغلق الفوري للمصب الجماعي بالشوايحية معتمدية الشراردة.
الفصل الثاني: السادة معتمد الشراردة ورئيس منطقة الحرس الوطني ببوحجلة والمدير الجهوي لوكالة حماية المحيط والمندوب الجهوي للتنمية الفلاحية مكلفون كل في ما يخصه بتنفيذ هذا القرار.
بينما كانت رائحة المرجين تزكم أنوف أهالي الشوايحية وتتسرب لتغتال مائدتهم المائية، صدرت “الوثيقة الرسمية” (قرار والي القيروان ذاكر البرقاوي) القاضية بـ “الغلق الفوري للمصب الجماعي بالشوايحية”. لكن هذا القرار، الذي جاء بناء على محضر معاينة بتاريخ 20 فيفري 2026، لم يُستقبل في المنطقة بالارتياح، بل بموجة من “التندر” والسخرية السوداء.
“شهادة وفاة” متأخرة
تُظهر الوثيقة الموقعة من والي القيروان، ذاكر البرقاوي، بتاريخ 24 فيفري 2026، قراراً حاسماً بالغلق الفوري بناءً على معاينة ميدانية أجرتها لجنة استشارية. إلا أن هذا “الحسم” الإداري يغفل حقيقة أن المصب كان موضوعاً لنزاع قضائي طويل، حيث سبق للمحكمة الإدارية أن ألغت قرار استغلاله لعدم مطابقته للمواصفات البيئية الفنية التي وضعتها وكالة حماية المحيط.
ورغم قوة الأحكام القضائية، اختارت السلطة الجهوية “المرونة” مع أصحاب المعاصر على حساب البيئة، فسمحت بفتح المصب في بداية الموسم، لتعود اليوم وتغلقه “فورياً” بعد أن امتلأت الأحواض السبعة وترسبت السموم في تربة الشوايحية.
المثير للدهشة بداية في قرار الوالي هو استناده إلى معاينة اللجنة الاستشارية لمصبات المرجين، وهي نفس اللجنة التي يُتهم نشطاء البيئة قراراتها السابقة بالالتفاف على حكم المحكمة الإدارية وتبييض قرارات فتح المصب.
الناشطة البيئية منيارة المجبري، رئيسة قسم العدالة البيئية بالقيروان، التي لخصت المشهد بواقعية، كاشفة عن التفاف واضح على أحكام القضاء، حيث صرحت قائلة:
“بعد ما تم فتحه في أول الموسم وبرغم أنه توجد قضية جارية، والمحكمة الإدارية ألغت قرار اللجنة الاستشارية لمصبات المرجين باستغلاله إلى حين النظر في القضية الأصلية.. إلا أن اللجنة قامت بزيارة في أول الموسم وبعدها قررت فتح المصب. اليوم، وبعد انتهاء الموسم قرروا غلق المصب.. المهم أن الموسم تعدّى (مرّ)!”
تضيف الناشطة منيارة المجبري: بمرارة “المهم أن الموسم قد مرّ”، وهي جملة تلخص فلسفة الإدارة في التعامل مع كارثة الشوايحية البيئية. فالقرار الإداري هنا لم يأتِ لمنع التلوث، بل جاء لتنظيم “نهايته الطبيعية” بعد أن وقع الضرر البيئي فعلياً.
“وأوضحت بالقول “يغلقون المصب حين ينضب الزيت، ويفتحونه حين يبدأ العصر.. وبين الفصلين تضيع صحة أهالي الشراردة وتغرق أراضيهم في السواد.”

عصر “الزيت”…و”القانون“
لم تكن تعليقات المواطنين مجرد ردود أفعال عاطفية، بل كانت “تشريحاً” لواقع سياسي وبيئي مأزوم. أحد المعلقين كتب باختصار يغني عن ألف تقرير: “الموسم انتهى وأنتم أغلقتم المصب.. لماذا الآن؟”.
هذا السؤال يفتح الباب على “المسكوت عنه” في كواليس القرار الإداري بالقيروان:
سطوة اللوبي الفلاحي: يرى الأهالي أن السلطة الجهوية لا تجرؤ على اتخاذ قرار الغلق في “ذروة الموسم” خوفاً من صدام مباشر مع أصحاب المعاصر، الذين يمثلون قوة ضغط اقتصادية وتمويلية كبرى في الجهة.
العدالة البيئية “الموسمية”: يبدو أن كراسات شروط وكالة حماية المحيط لا تصبح “مقدسة” إلا بعد أن تفرغ آخر شاحنة حمولتها. فالوثيقة الرسمية تستند إلى معاينة لجنة استشارية تمت في أواخر شهر فيفري، أي حين استنفذ المصب طاقته الاستيعابية ولم يعد صالحاً تقنياً لاستقبال المزيد.
هذه الجملة البسيطة: “كي كملت الصابة سكرتوه.. هههه” تختزل ثلاث رسائل قاسية يوجهها المواطن التونسي لصناع القرار:
أولا غياب المصداقية في تطبيق القانون
المواطن يدرك جيداً أن قرار الغلق لم يأتِ استجابةً لتقارير وكالة حماية المحيط ولا تنفيذاً لحكم المحكمة الإدارية (الذي كان موجوداً قبل بداية الموسم)، بل جاء ببساطة لأن “المهمة انتهت”. هذا التوقيت يجعل من هيبة الدولة وقرارات القضاء تبدو وكأنها “تحت الطلب” أو مؤجلة إلى حين انتهاء مصالح أطراف معينة.
ثانيا الاقتصاد على حساب الصحة والبيئة
الضحكة الساخرة هنا تعكس مرارة؛ فالأهالي في الشوايحية والشراردة يشعرون أن صحتهم وهواءهم ومائدتهم المائية كانت “قرباناً” لإنجاح موسم الزيتون. السلطة اختارت الحل الأسهل: فتح المصب العشوائي لتجنب غضب أصحاب المعاصر، وترك المواطن يواجه الروائح الكريهة والتلوث، ثم إغلاقه بـ “بطولة زيفة” في شهر مارس بعد أن فرغت الشاحنات حمولتها بالكامل.
ثالثا “استبلاه” الوعي المجتمعي
يرى المواطنون في البلاغ الذي نشرته البلدية نوعاً من الاستخفاف بعقولهم حسب استقرار تعليقتهم على الصفحة الرسمية. فإصدار قرار غلق “مصب” لم يعد فيه مكان لقطرة مرجين واحدة هو إجراء لا يقدم ولا يؤخر بيئياً، بل هو محاولة لامتصاص الاستياء الشعبي وتجنب الاحراج القضائي خلال فترة “الراحة” ما بين الموسمين وليس متأسسا على حقيقة الحق البيئي والالتزام الرقابي ولا احترام الحكم القضائي، ناهيك عن الاستجابة لدعوات الحراك البيئي.
الانصات الى نبض الأرض
لقد كشف مسار الأحداث في قضية مصب الشوايحية، وازدواجية القرارات من نفس الجهية، عن ثغرة عميقة في تطبيق “العدالة البيئية” في تونس. التمشي الذي اعتمدته السلطات يكرس لسياسة خطيرة تتمثل في التغاضي عن الخروقات البيئية بحجة الضرورة الاقتصادية المؤقتة، ثم التظاهر بتطبيق القانون بعد انتهاء الحاجة الاقتصادية، تاركين وراءهم أضراراً بيئية قد تستغرق عقوداً لمعالجتها.
بالمحصلة، تبقى قضية مصب الشوايحية نموذجا مصغرا، وعينة اختبارية لأزمة التصرف في النفايات الصناعية والفلاحية في تونس. واختبارا للأولويات والالتزام بالقوانين التي تضعها الدولة.
ان الهروع الى إغلاق المصب بعد انتهاء الموسم لا يبدو كحل عقلاني متأسس على على مبادئ الحوكمة والتنمية المستدامة والحقوق الاجتماعية، بل يفسره البعض ومن خلال التعليقات، كتهرب من المسؤولية.
ويظل المطلب الأساسي للنشطاء البيئية (المنتدى) والمواطنين هو تفعيل المساءلة القانونية لمن تجاوز أحكام القضاء، والبحث الجدي عن حلول مستدامة لتثمين مادة المرجين بدل تحويلها إلى كابوس بيئي يسود بياض أراضي الشراردة الزراعية.
بعيداً عن الأوراق الرسمية، تروي منطقة الشوايحية قصة أخرى؛ قصة تلوث يزحف نحو مائدة مائية تعاني أصلاً من “الفقر المائي”. فعلى بعد أقل من 500 متر من مساكن المواطنين، تنبعث الروائح الكريهة وتتخمر المواد الفينولية السامة في أحواض عشوائية لا تحترم أبسط معايير الحماية.
يرى الأهالي أن “تضحية” السلطة بصحتهم من أجل “إنقاذ الموسم” هو تكريس لسياسة الإفلات من العقاب البيئي. فالمصب الذي أُغلق اليوم “رسمياً”، يظل مفتوحاً “بيئياً” على كل الاحتمالات الكارثية، من تسرب للتربة وهلاك للأشجار وتلوث للمياه الجوفية، في انتظار “معجزة” تحول هذه النقمة إلى مشروع تثمين حقيقي يخرج المنطقة من دائرة التهميش والسموم.
ربما حان الانصات الى نبض الأرض ونبض الحق البيئي ونبض القانون.


