ياتي اليوم العالمي لمياه هذا العام (16 مارس 2026) في سياق مناخي واجتماعي وبيئي يراوح بين الحراك والوعي والمسؤولية في ادارة الموارد المائية التي تواجه حالة ندرة وحالة فقر مائي يحتاج الى عدالة في التوزيع لضمان تمتع الافراد بالحق ادستوري في الماء بشكل عادي في توزيع الموارد وتوزيع المخاطر أو الندرة.
رغم الضمانات الدستورية التي تؤكد على حق المواطن في الوصول الى الماء، فان الاف المواطنين الى اليوم لا يحصلون على حقهم في كميات نظيفة وكافية وبشكل مريح من مياه الشرب. بينما يعلو الجدل حول حلول قانونية تخص مجلة المياه ومعالجة المشاكل الهيكلية والحوكمة.
تبدو الاسباب عديدة وسط سياق مناخي عالمي وحالة جفاف وشح للسدود في القيروان (رغم الفيضات) منها تقلص الموارد وحالة التبخر ومنها مسائل هيكلية تهم الصيانة والتوزيع وتحديات تهم حوكمة الاستهلاك.
تواجه ولاية القيروان مشاكل مائية عديدة منها ما هو اداري تنظيمي واجرائي ومنها ما يهم التصرف في المخزون المائي بجهة القيروان في تلبية الاحتياجات المحلية وتحقيق اكتفاء القرب مقابل حالة انهيار في المخزون والموارد جراء سياسات مائية استنزافية تعتمد على توزيه الموارد المائة بالقيروان (فلاحية) حول انشطة صناعية وسياحية خارج الولاية. ما يجعلنا نتحدث عن مفارقات تهم الموارد وعدالة التوزيع.
بناءً على التقارير الرسمية الصادرة عن المندوبية الجهوية للتنمية الفلاحية بالقيروان ووزارة الفلاحة، إليك مجموعة من الأرقام والبيانات الصادمة التي تعكس عمق أزمة العدالة المائية في الجهة، والتي يمكن توظيفها كركائز أساسية في ورقتك البحثية:
مفارقة الموارد والعطش
الموارد الكامنة: تختزن ولاية القيروان موارد مائية هامة تقدر بـ 325 مليون متر مكعب قابلة للتعبئة، موزعة بين 3 سدود كبرى، 22 سداً، 69 بحيرة جبلية، بالإضافة إلى 550 بئراً عميقة.
التبخر والاستنزاف: تفقد الولاية كميات ضخمة جراء التبخر؛ فعلى سبيل المثال، تتناقص كميات المياه في السدود بمعدل 1.8 مليون متر مكعب شهرياً نتيجة التبخر في فترات الذروة الحرارية.
التوزيع غير العادل: تضخ القيروان سنوياً ما بين 80 إلى 100 مليون متر مكعب من مواردها المائية (سطحية وجوفية) لتزويد ولايات الساحل وصفاقس، بينما تظل مناطق واسعة داخل الولاية محرومة من الربط بشبكة مياه الشرب.

سد نبهانة: نموذج سيولة العدالة
انهيار المخزون: انخفض منسوب المياه في سد نبهانة إلى مستويات حرجة جداً بلغت 1.8 مليون متر مكعب في أوت 2023، مقارنة بـ 17.6 مليون متر مكعب في أفريل 2022.
المناطق المستفيدة: تبلغ المساحة الجملية التي تسقيها منظومة نبهانة حوالي 7110 هكتارات، تتوزع كالآتي:
المنستير: 2700 هكتار.
سوسة: 2500 هكتار.
القيروان (منطقة حوض السدود): بين 1660 و2220 هكتاراً فقط.
المهدية: 250 هكتاراً.
قرار الغلق: أدى توقف ضخ المياه من السد إلى تعطل 6 مناطق سقوية عمومية في القيروان، مما تسبب في فقدان 60% من الإنتاج الزراعي في بعض المناطق المتضررة.
تقدّر نسبة التزود بالماء الصالح للشرب بالوسط الريفي بـ 95،3 بالمائة، مع تواجد خمس ولايات أقل من المعدل الوطني، وهي القيروان والقصرين وسيدي بوزيد وقابس وبنزرت، وفق ما كشف عنه كاتب دولة لدى وزير الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري والمكلف بالموراد المائية، حمادي الحبيّب في شهر ماي 2016.
تشرف على عمليات تزويد المواطنين في المناطق الريفية الجمعيات المائية. هذه المجامع المائية هي جزء من المنظومات المائية وهي توازي الصوناد في المناطق الحضرية. لكن مع اختلاف اليات التسيير والحوكمة والامكانيات والتنظيم الاداري والقانوني.

حجم المجامع المائية على المستوى الوطني (وزارة الفلاحة)
العدد الإجمالي: يوجد في تونس حوالي 1443 مجمعاً تنموياً مائياً (GDA).
التصنيف الجيد: صنفت وزارة الفلاحة 400 مجمع مائي فقط كمجامع “متميزة” من حيث التسيير المالي والتقني، بينما يعاني البقية من صعوبات متفاوتة.
المديونية الوطنية: بلغت ديون المجامع المائية تجاه الشركة التونسية للكهرباء والغاز (STEG) حوالي 13 مليون دينار (حسب مراسلة وزارة الفلاحة للبرلمان في ديسمبر 2024).
وضعية المجامع المائية في القيروان (أرقام 2025-2026)
تعتبر القيروان من أكثر الولايات التي تعتمد على منظومة المجامع لتزويد الوسط الريفي، وهذه البيانات تكشف بوضوح عدة مفارقات:
بلغت ديون المجامع المائية في ولاية القيروان 8.2 مليون دينار (وفق بيانات المجلس الجهوي للمياه المنعقد في أفريل 2025)، وهي من أعلى نسب المديونية وطنيًا.
وتبعا لذلك سجلت القيروان وحدها 20% من مجموع التحركات البيئية في تونس خلال سنة 2025 (بواقع 88 تحركاً احتجاجياً)، تمحور أغلبها حول الانقطاعات المتكررة للماء الصالح للشرب (المصدر FTDES 2025).

مشاريع قيد الإنجاز (2026):
. واستمرار هذه المشارع ولئن يعبر عن سعي لضمان حق المواطنين في التزود بمياه الشرب، فانه يعبر ايضا عن استمرار حرمان الاف المواطنين والاسر من حقهم في مياه صالحة للشرب مثل باقي المواطنين في المدن. اطلع وزير الفلاحة في مارس 2026 على تقدم مشروع “قصر لمسة” بالوسلاتية، والذي يهدف لتزويد 7270 ساكناً (حوالي 1454 عائلة) بكلفة 13.3 مليون دينار.
على مر السنين أثبتت التجارب أن المجامع المائية فاشلة و ذلك نتيجة لسوء حوكمتها وضبابية نظامها القانوني .
عدالة التوزيع
تكشف ديون المجامع المائية أننا لسنا فقط أمام مجرد “عجز محاسبي” أو سوء تصرف إداري، بل نحن بصدد انهيار هيكلي لنموذج “الوساطة المائية” بعد كانت الجمعيات المائية كشكل من التشاركية المجتمعية. لكن السياسات المتعاقبة حولت المجامع المائية من هياكل للتسيير التشاركي إلى منصات لتخفف الأزمات الرسمية، حيث يتم تحميل الفئات الأكثر هشاشة عبء التكيف مع ندرة المياه في ظل التحديات المناخية واماط الاستهلاك وحوكمة الموارد والتصرف فيها (بشكل عادل).
فعندما تعجز هذه الهياكل الهشة عن تسديد فواتير الطاقة، تُلجأ المؤسسات المانحة للخدمة (الستاغ والصوناد) إلى آلية “القطع الفجئي”، وهو ما يُمثل في جوهره “عقاباً جماعياً” يضرب مقومات العدالة التوزيعية في الصميم، ويُساوي بين المواطن الملتزم والمدين.
لذلك، لا يمكن قراءة تصدر القيروان لخارطة الاحتجاجات البيئية وفق بيانات للمرصد الوطني للمياه والمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، بـ 88 تحركا (20% من التحركات الوطنية لسنة 2025) على أنها مجرد ردود فعل غاضبة، بل هي ممارسة فعلية وميدانية لـ “المواطنة المائية”. إن هذه التحركات هي محاولة من سكان المناطق المهمشة لانتزاع اعتراف قانوني وسياسي بحقهم في الحياة، والانتقال من صفة “حرفاء متخلفين عن الدفع” في سجلات المجامع، إلى صفة “مواطنين كاملي الحقوق”.
وعليه، فإن مسار الإصلاح، بما في ذلك قانون التسوية الأخير (مارس 2026) أو مشروع مجلة المياه الجديد، سيظل قاصراً إذا اقتصر على الجدولة المالية للديون، ولم يتأسس على انتقال سوسيولوجي وتشريعي يعترف بالماء كحق سيادي غير قابل للتسليع أو المساومة.”
من هذا المنطلق، تعتبر عدد من المنظمات ان تركيز وكالة وطنية لتوزيع المياه تتولى عملية التوزيع في الوسط الريفي هو الحل الامثل كي يتحقق الترشيد و المحافظة على مواردنا المائية. بينما يقترح اخرون ان تتولى المجالس البلدية (المنتخبة) الاشراف على عمليات تزويد ومراقبة التزويد.




