لا يختلف اثنان على أن مدينة القيروان تواجه اليوم أحد أصعب تحدياتها الجمالية والبيئية. فالمشهد لم يعد يحتمل أنصاف الحلول؛ إما الغرق في “تسونامي” من النفايات المنزلية والأنقاض، أو النهوض الجماعي لاستعادة بريق “عاصمة الأغالبة”. وفي ظل هذا الصراع، تبرز ثنائية “الردع والتوعية” كخيار وحيد لا بديل عنه.
ناجح الزغدودي-صحفي وباحث أكاديمي
بين عراقة المآذن والقباب العتيقة وجمالية الأسوار التاريخية، يزحف مشهد مغاير بات يؤرق سكان مدينة القيروان؛ “تسونامي” من الفضلات المنزلية والأنقاض يكتسح الشوارع والأحياء السكنية ذات الألوان البيضاء، محولاً إياها إلى ما تصفه الدوائر الرسمية بـ “النقاط السوداء”. اليوم،
لم تعد القضية مجرد تكدس عرضي للنفايات، بل تحولت إلى أزمة هيكلية تضع السلطات الجهوية والبلدية على “صفيح ساخن”، بين مطرقة الإنهاك اللوجستي وسندان القوانين المعطلة.
بين عراقة المآذن والقباب العتيقة وجمالية الأسوار التاريخية، يزحف مشهد مغاير بات يؤرق سكان مدينة القيروان أنه “تسونامي” من الفضلات المنزلية والأنقاض يكتسح الشوارع والأحياء السكنية، محولا إياها إلى ما تصفه الدوائر الرسمية بـ “النقاط السوداء”.
لم تعد القضية مجرد تكدس عرضي للنفايات، بل تحولت إلى أزمة هيكلية تضع السلطات الجهوية والبلدية على “صفيح ساخن”، بين مطرقة الإنهاك اللوجستي وسندان القوانين المعطلة.
حيث يواجه المشهد البيئي بمدينة القيروان الكثير من الازدواجية والتناقضات بين المطالب المشحونة بالاستياء من أجل مجابهة مصبات الفضلات المنزلية العشوائية في الشوارع والاحياء وعلى الطرقات مقابل جهود حثيثة لكن لا تكاد تقدر على مواجهة الكم الهائل من الفواضل المنزلية التي تمثل أيضا عبئا ماليا على البلدية يقرب من تكلفة 3 ملايين دينار.
حيث تحولت عديد المناطق السكنية الى “نقاط سوداء” كما تسميها البلدية نفسها والسلط الجهوية. وهذا الامر الذي أصبح ملفتا بصريا ومحل نظر اداري وموضوع جلسات جهوية وبلدية، أصبح امرا مزعجا للجهات المسؤولة نفسها امام حالة الانهاك في مجاراة نسق التصدي للتلوث والمشاكل البيئية. مقابل تراكم المشاكل الهيكلية والإدارية والقانونية لشركات المناولة التي لم يتم تعويضها ولا تسوية اعوانها المحالين على البطالة ولا الذين يتواصل استغلالهم.
هذا الوضع المتحرك على صفيح فضلات ساخن، فرض عدة قرارات اتخذتها كل من البلدية والمجالس الجهوية بالولاية للتصدي لرمي الفضلات بشكل عشوائي سيما في الأراضي الصالحة للبناء والغير مسيجة، منها ماهي أراضي عمومية ومنها اراي على الملك الخاص.
هذه القرارات ولئن نالت استحسان المواطنين فانها تطرح إشكالية ثانية وهي تطبيق القوانين والقرارات باعتبارها معضلة كان لها نصيب الأسد في تدهور الوضع البيئي.
يناقش المقال قضية الرقابة البيئية ومسالة فرض العقوبات التي اقرتها الجهات الرسمية ومدى ملامستها للواقع وقدرتها على تحسين المشهد البيئية واشكالية مصبات الفضلات وكفاءة جهاز التدخل السريع لرفع الفضلات والتصدي للنقاط السوداء.
تشير التقديرات الميدانية إلى أن بلدية القيروان تواجه يوميا تدفقا هائلا من النفايات يتجاوز 150 طنا، في حين أن القدرة اللوجستية المتوفرة حالياً لا تغطي سوى 70% من الاحتياجات الفعلية لعمليات الجمع والكنس. هذا العجز أدى إلى تناسل المصبات العشوائية التي بلغ عددها في وسط المدينة وضواحيها أكثر من 45 نقطة سوداء كبرى.
تتوزع هذه النقاط بشكل لافت في الأراضي البيضاء (غير المسيجة): التي تحولت إلى مصبات للردوم وفضلات البناء. والأحياء ذات الكثافة السكانية العالية: حيث تتراكم الفضلات المنزلية لساعات طويلة بعد مرور شاحنات الرفع.
وأيضا في مداخل المدينة التي باتت تعطي انطباعاً بصريا سلبيا لا يليق بمدينة سياحية وتاريخية عريقة مثل مدية القيروان.
خلف هذا التدهور البيئي، تقبع أزمة إدارية وقانونية معقدة. فمنذ تعطل منظومة شركات المناولة، تعيش المدينة فراغاً في الموارد البشرية. ويقدر عدد العمال المحالون على البطالة بالعشرات ممن ينتظرون تسوية وضعياتهم المهنية. وتعاني هذه الفئة التي لا تزال تعمل دون سند قانوني، من ضعف الإمكانيات وتأخر صرف المستحقات، مما انعكس سلباً على “مردودية العمل في الشارع”.
كما تعاني البلدية من نقص حاد في الشاحنات والآليات الثقيلة، حيث أن حوالي 40% من الأسطول الحالي يحتاج إلى صيانة دورية أو استبدال كلي خاصة وان البلدية كانت تعول على شركات الخدمات في اطار المناولة.
استنفار جهوي: تبييض لنقاط السوداء
دخلت أزمة النفايات في مدينة القيروان منعطفا حاسماً مع حلول شهر مارس، كما يبدو من خلال أنشطة مارطاونية رمضانية. حيث انتقلت السلطات الجهوية من “مرحلة التوصيف” إلى “مرحلة الردع الميداني” حسب ما يستشف من الخطابات والبلاغات.
فبينما كان “تسونامي” الفضلات المنزلية وفواضل البناء يهدد بابتلاع الأحياء التاريخية منها والحديثة ، جاءت البلاغات الرسمية الأخيرة والقرارات الإدارية لتضع النقاط على الحروف الغارقة في الحملات الانفعالية، محددةً امهال زمني وعقوبات مالية قاسية قد تغير وجه المدينة نحو الأفضل.
في جلسة عمل يوم الأربعاء 10 مارس 2026، أشرف والي القيروان على اجتماع موسع ضمّ ترسانة من المسؤولين (معتمدين، كاتب عام المكلف بتسيير البلدية، مديري النظافة، الصحة، التجهيز، الفلاحة، والسياحة). لم يكن الاجتماع بروتوكولياً، بل كان يهدف لرسم برنامج عمل ميداني عاجل.
أقرت الجلسة ضرورة التدخل الفوري لإزالة “النقاط السوداء” المتفشية في الأحياء السكنية، مع تحديد المعدات الضرورية لكل معتمدية لضمان النجاعة. ويأتي هذا التحرك في إطار الاستعداد للمناسبات الدينية القادمة (ليلة 27 من شهر رمضان وعيد الفطر) حيث تراهن الولاية على استعادة جمالية “عاصمة الأغالبة” أمام زوارها وسكانها.

الأراضي البيضاء: من مصبات إلى التسييج
تعتبر “الأراضي البيضاء” (غير المسيجة) والمنتمية للخواص أو للملك العمومي، الثغرة الأكبر في المنظومة البيئية بالقيروان. حيث تحولت الى مصبات غير مراقبة. ولمواجهة هذا النزيف، أصدرت بلدية القيروان بلاغاً رسمياً (رقم 1110) يُلزم مالكي هذه الأراضي داخل المناطق العمرانية بالمبادرة الفورية بتسييج أراضيهم. والشروع تقديم طلب ترخيص في الغرض في أجل أقصاه 25 مارس 2026.
هذا القرار يهدف لقطع الطريق أمام “شاحنات الردم” والمواطنين الذين يستغلون غياب الرقابة والأسوار لتحويل هذه الأراضي إلى بؤر للتلوث والإزعاج بشتى أنواع الفضلات الصلبة والعضوية.
قوة القانون الرادعة
لأول مرة، تخرج السلطة عن لغة “المناشدة” لتعتمد لغة “القانون”. فقد أكدت البلاغات الرسمية تفعيل مقتضيات القانون عدد 30 لسنة 2016 المؤرخ في 05 أفريل 2016 والمتعلق بمخالفة تراتيب حفظ الصحة بالمناطق الراجعة للجماعات المحلية.
وتتوزع العقوبات المالية المرتقبة كالتالي:
300 دينار كحد أدنى للمخالفات البسيطة.
1000 دينار كحد أقصى لكل من يتعمد إلقاء الفضلات بالأراضي البيضاء والمواقع غير المخصصة لذلك.
هذه العقوبات التي توصف بانها “صدمة مالية” يراها مراقبون آلية ردع ضرورية لوقف حالة الاستهتار البيئي، خاصة مع تعثر منظومة النظافة إداريا وقانونيا وهيكليا ووظيفيا.
على ارض الواقع تتجسد جملة من المفارقات والتناقضات بين فعل رمي الفضلات وفعل رفعها. فوارق زمنية ومكانية يرافقهها فارق في المعلومة والوعي البيئي والتواصل بين مصلحة النظافة بالبلدية ولجان حملات النظافة من جهة والمواطن، كفاعل أساسي في العملية.
تجربة ميدانية جزئية تتمثل في تدخل البلدية لإزالة مصب عشوائي للفضلات المنزلية قبالة المعهد الثانوي الاغالبة بمدينة القيروان، وتحت اشراف معتمد القيروان الشمالية للقيام بحملة نظافة بواسطة الجرافة وشاحنة نقل الفضلات وتم مسح المصب العشوائي وتنظيفه. وذلك بعد ضغط اعلامي وضغط من المواطنين عبر شبكات التواصل الاجتماعي.
لكن بعد دقيقة من مغادرة الالة الماسحة والجارفة للأرض غير المسيجة التي يلقي فيها أبناء الحي الشعبي ذي الكثافة السكانية العالية، تجدد وضع الفضلات المنزلية عشوائيا ودون ادراك للمشهد وخلفياته. كان الذين يرمون الفضلات يريدون القول للسلطة “ارجع نظف البلاصة” او كأنه يريد ان يقول “انا اضع الفضلات انا موجود”، في تعبير شعبي يومي عن معنى الوجود بالنسبة اليه كمواطن في تواصل مع الفضاء العام والسلطة.
وعلى الرغم من ترحيب المواطنين بهذه الخطوات، إلا أن “فوبيا القوانين الورقية” لا تزال تسيطر على المشهد. فالإشكالية الحقيقية تكمن في آليات التنفيذ؛ حيث تصطدم الرغبة في المحاسبة بنقص الأعوان المكلفين بالرقابة، وصعوبة إثبات المخالفات في ظل غياب منظومة كاميرات مراقبة شاملة أو حراسة دائمة للنقاط السوداء.
يرى فاعلون في المجتمع المدني بالقيروان أن “الحلول الترقيعية” لم تعد تجدي نفعاً. وبات مطلوب اليوم، الانتقال من منطق “إطفاء الحرائق” (رفع الفضلات بعد تراكمها) إلى منطق “الاستباق والرقابة الصارمة”. مع أهمية توفر المعلومة لدى المواطنين حول مواعيد رفع الفضلات المنزلية والالتزام بها وفق اجندة منتظمة.
فغياب الوعي البيئي وضعف تشريك المواطن في العملية البيئية وتغييب دوره كمحور أساسي في الدورة، يضعف جهود النظافة وجمع النفايات وحملات التدخل السريع. يقتضي العمل العقلاني المنظم بالتالي تحويل المواطن من “جزء من المشكلة” إلى “جزء من الحل”، مع إظهار جدية السلطة في تطبيق القانون.
إن القيروان، التي كانت دوما رمزا للرقي والحضارة، تجد نفسها اليوم في سباق مع الزمن لاستعادة وجهها الجمالي وقيمتها الثقافية وحدائقها. فهل تنجح السلطات في تحويل هذه “القرارات الحازمة” إلى واقع ملموس، أم سيبقى “تسونامي الفواضل” أقوى من ترسانة القوانين؟
لا ننسى ان نغرس الأشجار ونعتني بالمساحات الخضراء لان القيروان هي بيتنا الذي نعيش فيه يجب العناية بها داخليا وخارجيا.


