ورقة بحثية بعنوان المناخ في ليبيا والدورات المناخية طويلة المدى

إعداد الأستاذ علي ميلاد أبو خريص

(خبير في المناخ والأرصاد الجوية)

 

مقدمة

بعد انتهاء دراستي في الجزائر سنة 1980، التحقت بالخدمة العسكرية الإلزامية، وكانت بداية عملي في مجال الأرصاد الجوية من خلال عملي راصدًا جويًا بمطار معيتيقة. ومنذ ذلك الوقت تنقلت بين عدد من المطارات الواقعة في الساحل والوسط والجنوب الليبي، الأمر الذي أتاح لي فرصة اكتساب خبرات ميدانية واسعة والتعرف عن قرب على طبيعة المناخ الليبي واختلافاته بين منطقة وأخرى.

لقد استفدت خلال سنوات عملي من خبرات العديد من المختصين الذين سبقوني في هذا المجال، كما أسهمت المشاهدات اليومية والرصد المستمر للظواهر الجوية في تكوين فهم أعمق للعوامل المناخية المؤثرة في ليبيا.

تجربة ميدانية في مطار أوزو

في عام 1983 انتقلت للعمل بمطار أوزو في أقصى الجنوب الليبي. وفي شهر يوليو من ذلك العام شهدت ظاهرة لافتة تمثلت في تدفق وادٍ مائي قادم من الجنوب بالقرب من مهبط الطائرات، واستمر جريان المياه لمدة ثلاثة أيام متواصلة.

وبحسب المعطيات الجوية آنذاك، لم تكن الأمطار قد هطلت داخل الأراضي الليبية، وإنما سقطت في مناطق تقع جنوب الحدود، إلا أن المياه وصلت إلى المنطقة نتيجة الانحدار الطبيعي للتضاريس. وقد شكلت هذه الحادثة دليلًا عمليًا على تأثير الأمطار التي تهطل خارج الحدود في تغذية بعض الأودية والمجاري المائية داخل ليبيا.

طبيعة الأمطار في جنوب ليبيا

يتأثر جنوب ليبيا بالسحب الاستوائية القادمة من المناطق القريبة من خط الاستواء، ويبدأ موسم الأمطار عادة خلال شهر مايو ويستمر حتى سبتمبر. ويكون الهطول في أغلب الحالات متوسطًا، إلا أنه قد يكون غزيرًا في بعض السنوات.

كما أن جزءًا من السيول التي تشهدها بعض المناطق الجنوبية قد يكون ناتجًا عن أمطار هطلت خارج الأراضي الليبية، ثم انتقلت مياهها عبر الأودية الطبيعية إلى الداخل الليبي. وهذه الملاحظات تستند إلى مشاهدات ميدانية مباشرة خلال سنوات العمل في الجنوب.

المناخ والتغيرات طويلة المدى

من خلال الخبرة العملية والمتابعة المستمرة، أرى أن كثيرًا من الظواهر الجوية والمناخية التي يشهدها العالم تدخل ضمن دورات مناخية طويلة المدى، وهي دورات تتجاوز في كثير من الأحيان المدة الزمنية التي تغطيها سجلات الرصد الحديثة.

فالأرصاد الجوية الحديثة، بصورتها التنظيمية الحالية، شهدت تطورًا كبيرًا بعد الحرب العالمية الثانية، كما انضمت الدول العربية إلى منظومة الرصد العالمية التابعة للمنظمة العالمية للأرصاد الجوية منذ خمسينيات القرن الماضي. ولذلك فإن السجلات المناخية المتاحة، رغم أهميتها، ما تزال تمثل جزءًا محدودًا من التاريخ المناخي الطويل للأرض.

ولهذا فإن دراسة التغيرات المناخية تحتاج إلى الجمع بين البيانات العلمية الحديثة والسجلات التاريخية والروايات المحلية المتوارثة التي توثق الظواهر الجوية الاستثنائية التي شهدتها المجتمعات عبر الأجيال.

أهمية الموروث الشعبي في توثيق المناخ

احتفظت المجتمعات المحلية في ليبيا وفي غيرها من البلدان العربية بمسميات شعبية لأعوام تميزت بظواهر مناخية استثنائية، مثل أعوام الثلوج أو أعوام الجفاف أو الفيضانات.

ورغم أن هذه التسميات ليست تصنيفًا علميًا، فإنها تمثل سجلًا تاريخيًا مهمًا يمكن الاستفادة منه عند دراسة المناخ المحلي ومقارنة الأحداث الحالية بما حدث في الماضي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *