تونس بين مطرقة الاحتباس الحراري وسندان تحقيق الطموح الطاقي

بقلم ليلى دبيش

ماتزال تونس ترزح تحت وطأة شمس حارقة لا تكاد تغيب عن سمائها طوال السنة، ثروة طبيعية تسعى البلاد الى استغلالها بتوفير كل الاليات الممكنة للحد من العجز الطاقي. غير انه وعلى واجهة أخرى فان موجة الحر القياسية تضع تونس ضمن اكثر الدول المتوسطية تأثرا بالتغيرات المناخية التي تتسارع وتيرتها على نحو أضر بقطاعات حيوية جعلتها تتكبد خسائر تفوق 5 مليار دولار متأتية من قضايا المناخ والخيارات السياسية المتبعة وفق التقرير السنوي للبنك الإفريقي للتنمية حول تعبئة تمويل القطاع الخاص للمناخ والنمو الأخضر في افريقيا .و تقدر الاحتياجات لتمويل العمل المناخي بين 2020 و 2030 حوالي 24.4مليار دولار وتحصل تونس على حوالي  48.بالمائة من التمويل السنوي لتمويل المساهمة المحددة وطنيا بغاية خفض الكربون ..

   وتصبو الدولة المتوسطية الرائدة منذ ثمانينيات القرن الماضي في انتاج الكهرباء من الطاقات المتجددة الى بلوغ الحياد الكربوني بحلول عام 2050 للتكيف مع اثار التغير المناخي والتقليص من التبعية الطاقية الثقيلة على الاقتصاد التونسي، بوضع قطاع الطاقة النظيفة في صميم مساهماتها المحددة وطنياً من خلال لتوفير 35 في المئة من الكهرباء تحققها من الطاقات المتجددة المعتمدة على الرياح و الشمس .وفي الوقت الذي يتصدر فيه التحول نحو الطاقة منخفضة الكربون مقدمة أولويات أجندا السياسات المحلية تضطر تونس في تنفيذ هذا الطموح إلى مواجهة تقلبات سوق الطاقة العالمية التي تزيد من العجز الطاقي في البلاد. فهذا القطاع الحيوي شكَّل في عام 2022، 32.2 في المئة مِن إجمالي العجز التجاري الوطني، غذاه التأثر بالنزاع الروسي- الأوكراني فضلا عن تداعيات جائحة كوفيد رافقهما  تذبذب سعر صرف الدينار أمام اليورو والدولار ما جعل فاتورة توريد المواد النفطية تثقل كاهل موازنة البلاد فضلا عن ارتفاع حجم دعم المحروقات في نهاية العام الماضي إلى مستوى 7.7 مليار دينار (2.4 مليار دولار).

إطلاق المشروع الايكولوجي للنقل المستدام

إزاء المؤشرات المتواضعة المسجلة في قطاع الطاقة والاجهاد المستمر في استغلال الموارد المالية لتوجيهها نحو دعم المحروقات، تم الإعلان عن تنفيذ الاستراتيجية الوطنية للانتقال الايكولوجي والعمل بمقتضيات الاستراتيجية الوطنية للتنمية منخفضة الكربون في أفق سنة 2050 ومن أجل مزيد التعاون مع مختلف الأطراف للحدّ من انبعاثات الكربون خاصة في ظلّ التغيرات المناخية، أطلقت تونس في غرة نوفمبر مشروع إرساء الانتقال الإيكولوجي لقطاع صناعة السيارات. هذا المشروع يحفز شركات السيارات والطيران على الانتقال إلى تكنولوجيات نظيفة تخفض  من اثار انبعاثاتها الكربونية ، إلى جانب العمل على مزيد تعزيز الكفاءات الوطنية من خلال تدريب فريق من الخبراء المؤهلين في هذا المجال لدعم الشركات حتى تتمكن من تنفيذ عملية الانتقال  البيئي. كما يأخذ المشروع في الاعتبار جوانب المسؤولية الاجتماعية للشركات عبر توفير الطاقة وتعزيز الطاقات المتجددة والنقل البيئي الذكي والزراعة المستدامة والرعاية ومؤسسات الشركات المجتمعية للتسويق.
المسار المخطط الوطني لتنفيذ طموحات الانتقال الطاقي 

     وتخطّط تونس لاستثمار ما يزيد عن 1.5مليار  دولارفي مجال الطاقة المتجددة على امتداد العامين المقبلين في وقت انطلقت قدما في تنفيذ مشاريع متخصصة في الطاقة المتجددة لإنتاج 1.7 جيغاواط محلياً بحلول عام 2025. وفي مسعى لتحقيق هذا الهدف الطموح، اعطت الحكومة التونسية الضوء الأخضر لتنفيذ حزمة من مشاريع الطاقة الشمسية في عدة مناطق من وسط وجنوب البلاد (في القيروان (100 ميغاواط) وتطاوين (200 ميغاواط) وتوزر (50 ميغاواط) وسيدي بوزيد (50 ميغاواط) وقفصة (100 ميغاواط) من اجل توفير احتياجات الطاقة المحليَّة ومنحت الدولة عقودًا لعدَّة مجموعات من الشركات الأجنبية لتنفيذها معولة على ان تسهم المشاريع في خفض واردات الغاز الطَّبيعي بنسبة 6 في المئة. وان تمنح هذه المشاريع مُجتمعةً 200 وظيفة مباشرة و2000 وظيفة غير مباشرة في بعض المحافظات الأكثر تهميشًا في تونس.إلى جانب سياسة الطَّاقة الوطنية في تونس، أو لبيع الطاقة للشركة التونسية للكهرباء والغاز أو لتصديرها. ومع إطلاق مُخطَّط تجريبي  توزر لتركيب 4000 لوحة كهروضوئية للأسر ذات الاستهلاك المنخفض للطاقة، ثمة إشارات مُشجِّعة على أنَّ هذا التشريع بدأ يُؤتي ثماره. ويسمح عمومًا إلى مُساعدة 800 ألف أسرة تونسية على توفير ما يصل إلى 41 مليون دينار (13.51 مليون دولار)

    وفي خطوة لدعم نمو الطاقة المستدامة في البلاد وخفض فاتورة النفقات تتراءى مؤشرات محفزة على أنَّ البلاد ستُعزِّز توليد الطَّاقة محليًّا، بفضل وضع قانون بحفز على الاستثمار في مشاريع الطاقة المُتجدِّدة للاستهلاك الذَّاتي  بفضل تشجيع الحكومة على إرساء أنظمة الكهرباء المتجددة اللامركزية الصغيرة على غرار تثبيت الألواح الشمسية على أسطح البنايات، و المنازل والمؤسسات ووضع توربينات الرياح الصغيرة، التي يمكنها إتاحة الكهرباء النظيف إلى الأسر والشركات؛ ما يخفض العبء الواقع على الشبكة الوطنية، ويعزز أمن الطاقة في بلد يشهد وضعا اقتصاديا صعبا.

ومكنت هذه البرامج من خلق ديناميكية وخلق فرص عمل ومن إنشاء سوق لمورّدي الطاقة الشمسية والمصنعين وشركات التركيب حيث يعمل حتى الآن في تونس حوالي 3390 شخصًا في الأنشطة المتعلّقة بالطاقة المتجددة والنجاعة الطاقية. كما نجحت الدولة في وضع إطار قانوني لإنتاج الكهرباء من الطاقات المتجددة عبر سن قانون ينظم هذا الانتاج منذ العام 2015. الطموح الطاقي لم يتوقف عند هذه المشاريع الخضراء وانما تم إرساء صناعـة الهيدروجيـن الاخضـر الموجهـة نحـو التصديـر. فمنـذ عـام ،2020 ركــزت الــدول الاوروبيــة علــى منطقــة شــمال أفريقيــا الغنيــة بالطاقــة لديهــا. وتتطلع تونس الان الى ان تصبح رائدة في انتاج الهيدروجين الأخضر و مركزًا عالميًا لإنتاجه وتصديره بتوفير 8.3 ملايين طن سنويًا بحلول2050

 وفي هذا السياق يؤكد الخبراء أن الاقتصاد الأخضر يوفر فرصا حقيقية للحد من البطالة بالنسبة إلى بلاد تعاني من معضلتي بطالة الشباب من حاملي الشهادات العليا ومنوال التنمية الذي يركز على استغلال مفرط للرأسمال الطبيعي. وقدرت منظمة العمل الدولية في دراسة سابقة عدد مواطن الشغل الخضراء في تونس بحوالي 100 ألف، وتشمل قطاعات المياه و رسكلة النفايات والفلاحة والخدمات.

و عموما فان إرساء أسس الاقتصاد الأخضر في تونس يضع صوب اهدافه حماية البيئة والموارد الطبيعية وتمكين خلايا الإنتاج من عدم التعدي عليها وان تأخذ في اعتبارها إدماج البعد البيئي في كل نشاط تنموي واقتصادي وفي كل ثروة يتم استخراجها رغم الاجماع على انها عملية صعبة.ودون أن  تهمل الجانب الاجتماعي لبلوغ العدالة الاستثمار الأخضر بنسبة 2 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي على مدى 5 سنوات يمكن أن يخلق حوالي 300 ألف موطن شغل مباشر في تونس في قطاعات البناء والفلاحة والطاقة وتوفير طاقة تشغيلية لعدد من أبناء المنطقة، باعتبار هذه الطاقة ذات أهمية عالية لتعويض الطاقة المكلفة وذات مردودية وفاعلية كبيرة على المستوى الاقتصادي

ورغم تركيز هذه المشاريع وغيرها بقي نسق الاستثمار بطيئا في هذا القطاع الحيوي لم تنتج تونس حتى الأشهر الأخيرة من السنة الماضية سوى ثلاثة في المئة فقط منه وفق البيانات الرسمية لوزارة الصناعة والطاقة.

 

 

 

.

.