حيثما يتدفق الماء تنمو المساواة”… نحو ثورة في عدالة الثروة المائية بتونس

ناجح الزغدودي-صحفي وباحث

“حيثما يتدفق الماء تنمو المساواة” هو شعار الدورة الأولى لـ “أيام المياه بتونس وهو حدث استراتيجي توعوي تنظمه وزارة الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري عبر الشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه (صوناد)، وبالشراكة مع الوكالة الألمانية للتعاون الدولي (GIZ)، وينتظم بعدد من الولايات. وقد حطت الرحال بولاية القيروان يوم الثلاثاء 24 مارس.

شعار الحملة يحمل في طياته أبعادا حقوقية وتنموية عميقة ويأتي في لحظة فارقة تتجاوز فيها قضية المياه مجرد التحدي التقني لتصبح جوهر المواطنة الكاملة في ظل ازمة مائية تتعدى الجفاف والتغيرات المناخية الى الحق في الاعتراف والعدالة.

إن اختيار هذا الشعار ليس مجرد استعارة بلاغية، بل هو اعتراف ضمني بأن غياب “التدفق” العادل للمياه في مناطق مثل أرياف القيروان ليشمل كافة المواطنين ومستخدمي المياه بشكل عادل ومتكافئ، هو غياب للمساواة وتكريس للتهميش.

وأفاد مندوب التنمية الفلاحية بالقيروان مراد بن عمر، “اليوم يندرج في إطار الاحتفال باليوم الوطني للاقتصاد في الماء، تحت شعار: “حيثما يتدفق الماء تنمو المساواة”. في إطار المساواة بين مختلف مستعملي المياه، في ظل التغيرات المناخية، وفي ظل انحباس الأمطار اللي مرت بيها البلاد التونسية لعديد السنوات الأخيرة، ولا من المفروض على كل مستعملي المياه، حسن التصرف في هذا المورد المائي الحيوي، والنظرة المستقبلية للأجيال القادمة، حتى نضمن لهم استمرارية الحياة، كيف ما تعرفوا الماء أساس الحياة”.

وتم من خلاله عرض بعض التجهيزات المقتصدة في الماء، وخاصة الذكاء الاصطناعي في الري بما يمكن الفلاح من تقديم حاجيات النبتة حسب متطلباتها وحسب النمو نتاعها، إضافة إلى ذلك عرض من قِبل الشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه بآلات جديدة لـمعرفة تسرب المياه في بعض القنوات التي تكلف   الدولة موارد مائية كبيرة نظرا لكون القنوات تحت الأرض.

كما تم عرض تقديم آخر من قبل مركز التكوين الفلاحي ببروطة بخصوص توجه مستقبلي حول مهن المياه استجابة لطلبات بعض الإدارات ومستعملي المياه.

وبين ان هذا يأتي في إطار حوكمة المياه والتصرف في الموارد المائية المتاحة بولاية القيروان.

من جهة ثانية بين السيد بن عمر، أن اليوم التحسيسي يأتي للحد من الاستغلال المفرط للموارد المائية التي تشهدها ولاية القيروان بحكم أن المورد الرئيسي والأساسي هو مياه جوفية باطنية لتوفير ماء الشرب. وهذا يجعلنا نتجه نحو استعمال المياه المعالجة، للحد من استنزاف الموارد المائية التقليدية في الاتجاه للمياه غير التقليدية من خلال التوسع في بعض المناطق السقوية، ومن خلال الدراسة الاستشرافية حول استغلال ما يمكن استغلاله من مياه مستعملة، خاصة وان كمياتها متاحة أكثر من 6 و7 مليون متر مكعب.”

عدالة توزيع في مواجهة المناخ

ففي ظل التغيرات المناخية التي تلقي بظلالها على البلاد التونسية منذ سنوات، لم يعد الصراع في تونس مجرد صراع ضد “الجفاف الطبيعي”، بل هو معركة ضد “العدالة الهيكلية” في الاستهلاك وغياب عدالة التوزيع، الامر الذي يستنزف كرامة المواطن كما يستنزف الموارد المائية.

تتزامن تظاهرة أيام المياه في تونس مع اليوم لعالمي للمياه وبعد أسبوع من اليوم الوطني للمياه. وهي تظاهرات تعيد الى الاذهان مجددا قضية المياهن كقضية حقوقية أساسية تحتاج الى استراتيجيات وسياسات توزيع ومجابهة عادلة ميدانيا تفعيلا للحقوق المدونة ورقيا.

لم يعد الاحتفال باليوم العالمي للمياه مجرد محطة بيئية روتينية، بل أصبح تذكيرا سنوياً بقضية أمن قومي وصراع يومي على “الحق في الحياة”. ففي ظل تراجع نصيب الفرد التونسي من المياه إلى أقل من 400 متر مكعب سنوياً (تحت خط الفقر المائي المدقع)، تتجاوز الأزمة حدود التغيرات المناخية لتلامس عمق السياسات العمومية وسلوكيات الأفراد.

استنادا إلى مقاربات ميدانية، وبناء على جملة من الدراسات والبيانات، نفتح اليوم ملف “الملك المشترك” المهدد بالتآكل، لنبحث في كيفية تحويل “أيام المياه” من منصة للنقاش إلى خارطة طريق تقطع مع “سياسات العطش” وتكرس الحق الدستوري في الماء كركيزة أساسية للسلم الاجتماعي والمساواة الفعلية

 الخارطة المائية والمفارقة القاسية

تتميز الخارطة المائية في تونس بتفاوت جغرافي حاد يعزز اللامساواة  بين المناطق من جهة وأيضا صلب كل منطقة بين الريف والمدينة خصوصا.

فالشمال يستحوذ على حوالي 80% من الموارد السطحية، بينما يرزح الوسط والجنوب تحت وطأة استنزاف الموائد الجوفية. ولا تتوقف المفارقة عند الجغرافيا، بل تمتد إلى التوزيع القطاعي. فبينما تضيع نسب تتراوح بين 25% و30% من مياه الشرب في شبكات التوزيع المتهالكة، تُمنح التراخيص لشركات تعليب المياه والمستثمرين الكبار لاستنزاف الموائد العميقة، في الوقت الذي يُحرم فيه صغار الفلاحين والمواطنين من حفر آبار تنقذ زراعاتهم أو تروي عطشهم.

بينما تبرز حالة عدم المساواة بين مناطق النبع الريفية التي لا يصل الماء الى سكانها الا قليلا ومناطق الانتفاع التي تستنزف الموارد المائية في قطاعات الصناعة والسياحة.

القيروان قطب الأزمة الهيكلية

تمثل ولاية القيروان مختبرا حقوقيا وتنمويا حيا لفهم أزمة. فرغم احتضانها لسدود كبرى كـ “نبهانة” و”سيدي سعد”، إلا أن تراجع إيراداتها حولها إلى أراضٍ قاحلة. وتتجسد الأزمة الهيكلية بوضوح في انهيار منظومة المجامع المائية (GDA). هذه الهياكل التي أُسست لتكون تشاركية، تحولت إلى كابوس للمواطن في المناطق الريفية والجبلية. فبسبب سوء الإدارة وتراكم الديون لفائدة شركة الكهرباء والغاز (STEG)، يتم قطع التيار الكهربائي وتتوقف المضخات، ليجد المواطن الملتزم بدفع فواتيره نفسه ضحية “عقاب جماعي” يجرده من حقه في الماء. ومع تراكم الديون تتازم الأوضاع ما يجعل الاف المواطنين بلا ماء في ذروة الحر.

وما تزال مشاريع الربط عبر المجامع المائية قائمة الى اليوم. وينتظر الاف المواطنين والاسر الوصول الى حقهم ونصيبهم من الماء حتى وان كان اقل من نصيب سكان المدن. ما يطرح إشكالية عميقة تخص التوزيع الذي تتعهد به الشركة التونسية لتوزيع المياه.

من جهة أخرى تطرح عدة إشكاليات حول هدر الماء جراء تاكل وتقادم شبكات المياه سواء التي تشرف عليها الشركة او المجامع المائية.

الكلفة الاجتماعية لتفاوت التوزيع

للأزمة المائية فاتورة اجتماعية وصحية باهظة تُدفع بصمت في صفوف الافراد والفئات الغير مرئية في المجتمع. نتحدث عن المرأة والفتاة الريفية باعتبارهما الضحية الأولى.

في المناطق الريفية تنطلق رحلة بحث يومية عن الماء عبر مسافات طويلة تتسبب في إنهاك جسدي، وتؤدي بشكل مباشر إلى ارتفاع نسب الانقطاع المدرسي للفتيات ومشاكل صحية خصوصا الصحة الانجابية.

في هذه المناطق النائية والوعرة والمنعزلة، تختفي قصص إنسانية قاسية لاسر تلجأ إلى البرك الراكدة أو العيون غير المراقبة لسد رمقها والاحتياج بما يتاح من الماء وان كان غير صالح. ما يؤدي إلى تفشي أمراض خطيرة في الأوساط المدرسية الريفية، كالتهاب الكبد الفيروسي صنف (أ) وحصى الكلى.

في ظل هذا التفاوت وغياب التوزيع العادل، تنشأ انساق أخرى تحل محل شركة توزيع المياه ووزارة الفلاحة تنتهز فرصة الازمة لتنعش سوقا سوداء لبيع المياه عبر “الصهاريج المتنقلة”، مما يثقل كاهل الأسر الفقيرة التي تضطر لشراء ماء غير مضمون صحياً بأضعاف ثمنه.

اليات مواجهة غير متكافئة

تسعى وزارة الفلاحة الى إيجاد بدائل لحل ازمة المياه والعطش سواء لمياه الشرب او مياه الري. لكن هذه التدخلات واليات التمكين والمواجهة خصوصا في ظل نضوب الابار وشح السدود (سد نبهانة) ليست عادلة أيضا. مما فرض على عديد المجتمعات المحلية البحث عن سبل وبدائل ذاتية.

فعندما شح سد نبهانة واغلق، لم يقف أهالي القيروان (حوض نبهانة) مكتوفي الأيدي بل انتقلوا من “صدمة الندرة” إلى “مقاومة العطش” عبر العودة إلى الاقتصاد الدائري والحلول المعتمدة على الطبيعة مثل الزراعة المستدامة. حيث توجه الفلاحون نحو تقنياالبيوت المكيفة (المحمية)  لتقليل التبخر، واعتماد بذور محلية مقاومة للجفاف، فضلاً عن إعادة تدوير المياه المستعملة للاستعمالات الزراعية الصغرى.

من جهة أخرى، أمام عجز الدولة عن توفير بدائل، التجأ الفلاحون الصغار لحفر آبار عشوائية كآلية للدفاع عن لقمة عيشهم. لكن في المقابل، نرى شركات تعليب المياه والمستثمرين الكبار يستنزفون الآلاف من الأمتار المكعبة يومياً بتراخيص قانونية، مما يخلق حالة من الاحتقان الاجتماعي والشعور بانعدام المساواة.”

من أجل سيادة مائية عادلة

إن تدفق الماء في تونس يجب أن يكون معياراً لقياس منسوب الكرامة والعدالة. وحماية هذا الملك المشترك هي مسؤولية دولة يجب أن تحول الحق الدستوري من حبر على ورق إلى ماء يروي عطش الجميع دون تمييز.

لكي لا يبقى شعار “حيثما يتدفق الماء تنمو المساواة” مجرد أمنية، يجب المرور الفوري إلى تفعيل جملة من الحلول وفق مقترحات لخبراء ومنظمات حقوقية أهمها استعجال مراجعة مجلة المياه و الإسراع بإصدار تشريعات جديدة تقر أولوية مياه الشرب فوق أي استعمال آخر، وتجرم الاستنزاف العشوائي.

وتعمل على إعادة هيكلة المجامع المائية لتصبح تعاونيات مجتمعية شفافة، وتجهيزها بمحطات الطاقة الشمسية للضخ، مما ينهي للأبد أزمة فواتير الكهرباء وانقطاع الماء.

وضمان العدالة التوزيعية عبر تعميم شبكة الصوناد من جهة وتوجيه الاستثمارات نحو صيانة البنية التحتية المهترئة في المناطق الداخلية .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *