الرطوبة النسبية في الساحل الليبي

الجزء الثاني من الورقة البحثية للأستاذ الخبير في المناخ والارصاد الجوية، علي بوخريص

تُعرف الرطوبة النسبية بأنها نسبة كمية بخار الماء الموجودة فعليًا في الهواء إلى أقصى كمية يمكن أن يحملها الهواء عند درجة حرارة معينة.

وعندما ترتفع الرطوبة النسبية يزداد شعور الإنسان بالحرارة والانزعاج، لأن عملية تبخر العرق من الجسم تصبح أقل كفاءة. أما عند انخفاض الرطوبة، فيزداد الإحساس بالبرودة نتيجة ارتفاع معدل التبخر.

أما نقطة الندى فهي درجة الحرارة التي يبدأ عندها بخار الماء الموجود في الهواء بالتكاثف والتحول إلى قطرات ماء، وهو ما يؤدي إلى تشكل الندى أو الضباب أو السحب المنخفضة بحسب الظروف الجوية السائدة.

تأثير نسيم البحر في مناخ الساحل الليبي

يُعد نسيم البحر من أهم العوامل المؤثرة في مناخ المناطق الساحلية الليبية، إذ يبدأ تأثيره عادة خلال ساعات النهار ويمتد لمسافات قد تصل إلى نحو عشرين كيلومترًا أو أكثر داخل اليابسة.

ويؤدي هذا النسيم إلى خفض درجات الحرارة في المناطق الساحلية مقارنة بالمناطق الداخلية، حيث تُسجل محطات مثل ميناء طرابلس ومطار معيتيقة درجات حرارة أقل من تلك المسجلة في العزيزية واسبيعة ومطار طرابلس الدولي.

وقد أظهرت المقارنات التي أجريتها خلال عملي في الأرصاد الجوية والإذاعة أن الفارق الحراري بين الساحل والمناطق الداخلية قد يتراوح بين 10 و13 درجة مئوية في بعض الحالات، خاصة خلال أشهر الصيف.

كما أن ارتفاع الرطوبة النسبية على الساحل قد يجعل الإحساس بالحرارة أكبر رغم انخفاض درجة حرارة الهواء مقارنة بالمناطق الداخلية.

دور الزراعة في تلطيف المناخ المحلي

شهد سهل الجفارة خلال سبعينيات القرن الماضي نشاطًا زراعيًا واسعًا، وكانت عمليات الري اليومية لمساحات كبيرة من الأراضي الزراعية تسهم في تلطيف درجات الحرارة ورفع نسبة الرطوبة المحلية.

ومع تراجع النشاط الزراعي واستنزاف المياه الجوفية وتزايد حفر الآبار العميقة، تقلص الغطاء النباتي تدريجيًا، الأمر الذي انعكس على المناخ المحلي وأسهم في ارتفاع درجات الحرارة.

ومن هنا تبرز أهمية إعادة إحياء الحزام الأخضر والمحافظة على الموارد المائية، إضافة إلى التوسع في مشاريع تحلية مياه البحر لتوفير مصادر مستدامة للمياه العذبة.

السحب الاستوائية والأمطار الغزيرة

تشير الملاحظات الميدانية وصور الأقمار الصناعية إلى أن السحب الاستوائية قد تمتد في بعض السنوات من الجنوب نحو المناطق الوسطى والشمالية من ليبيا، مسببة هطول أمطار غزيرة على مناطق متعددة.

وقد شهدت بعض المواسم وصول هذه السحب إلى مناطق ترهونة وبني وليد والحمادة والجفرة وأجدابيا، بل وامتد تأثيرها شرقًا نحو الأراضي المصرية ومنها إلى مناطق أخرى في المشرق العربي.

وتتميز السحب الاستوائية بارتفاعات أكبر من السحب المعتادة في شمال ليبيا، كما ترتبط غالبًا بعواصف رعدية قوية وأمطار غزيرة وحبات برد كبيرة الحجم.

ملاحظات حول البرد والعواصف الرعدية

شهدت بعض مناطق الجنوب الغربي الليبي هطول حبات برد كبيرة الحجم تسببت في أضرار مادية، شملت تحطم زجاج المركبات وإتلاف بعض الممتلكات.

كما لوحظ أن العواصف الرعدية المرتبطة بالسحب الاستوائية تتميز بأصوات رعد أشد قوة وبحبات مطر أكبر حجمًا مقارنة بالعواصف التي تتشكل عادة فوق المناطق الساحلية والشمالية.

وتؤكد هذه الظواهر الطبيعة الخاصة للسحب الاستوائية وقدرتها على إنتاج أحوال جوية عنيفة عندما تتوافر الظروف المناسبة لنموها وتطورها.

تقرير حول أمطار الجنوب هذا العام

بدأ هطول الأمطار على المناطق الحدودية نتيجة تدفق السحب الموسمية من خط الاستواء حتى وصولها إلى الحدود الجنوبية. وانطلقت السحب في رحلة استثنائية من الجنوب نحو الشمال لتغطي مناطق واسعة في الجنوب والوسط، شملت غدامس والحمادة وترهونة وبني وليد والجفرة ومناطق شرق طرابلس والخليج وجنوب الجبل الأخضر، قبل أن تعبر الحدود المصرية متجهة نحو الأردن.

وتعد هذه المرة الأولى التي أراقب فيها تحرك السحب من الجنوب إلى الشمال طوال مسيرتي المهنية منذ تخرجي في الجزائر عام 1980 وحتى شهر مايو من عام 2026. وقد تم توثيق هذه الظاهرة عبر تتبع تسلسل صور الأقمار الصناعية، والتواصل المباشر مع شهود عيان في مناطق الجنوب وترهونة وبني وليد والجفرة وطرابلس وبنغازي.

وأكد شهود العيان أن حجم قطرات المطر كان أكبر بكثير مقارنة بالسحب البحرية المعتادة، فضلًا عن القوة غير المسبوقة لدوي الرعد. كما تميزت السيول بجريانها فوق الأراضي والرمال المنبسطة نتيجة تماسك التربة، وهو ما تمت ملاحظته ميدانيًا وأكدته مقاطع الفيديو الموثقة للحدث.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *